;

مدينة غارقة قبالة الهند تثير جدلا عالميًا حول أقدم الحضارات في التاريخ

  • تاريخ النشر: منذ 22 ساعة زمن القراءة: 3 دقائق قراءة
مدينة غارقة قبالة الهند تثير جدلا عالميًا حول أقدم الحضارات في التاريخ

أثار اكتشاف هياكل ضخمة في أعماق خليج خامبات غرب الهند نقاشًا علميًا واسعًا بين علماء الآثار والجيولوجيا، بعد أن ذهب بعض الباحثين إلى احتمال أن الموقع يمثل بقايا مدينة غارقة تعود إلى آلاف السنين، وربما إلى ما قبل حضارة وادي السند نفسها، وهو ما قد يعيد فتح ملف نشأة الحضارات في جنوب آسيا من جديد.

ويقع الموقع، المعروف باسم "مجمع خليج خامبات الثقافي"، على عمق يقارب 36 مترًا تحت سطح البحر، وتمتد التكوينات المكتشفة على مساحة يُعتقد أنها تصل إلى 8 كيلومترات طولًا و3 كيلومترات عرضًا، ما دفع بعض الباحثين لوصفه بأنه بقايا تجمع عمراني واسع النطاق.

بداية الاكتشاف

تعود بداية القصة إلى ديسمبر 2000، عندما كان فريق من المعهد الوطني لتكنولوجيا المحيطات في الهند يجري مسوحات روتينية مرتبطة بالتلوث البحري، قبل أن تكشف أجهزة السونار عن تراكيب هندسية غير معتادة في قاع البحر، بدت في شكل أقرب إلى أنماط بشرية التنظيم منها إلى التكوينات الطبيعية.

لاحقًا، جرى انتشال مجموعة من المواد من الموقع شملت فخاريات وخرزًا وزخارف وأجزاء يُعتقد أنها من جدران، إضافة إلى عظام وأسنان بشرية، ما زاد من الاهتمام العلمي والإعلامي بالمنطقة.

وأشارت بعض تقنيات التأريخ بالكربون المشع إلى أن عمر بعض العينات قد يصل إلى نحو 9500 عام، وهو ما فتح الباب أمام فرضيات تتعلق بوجود حضارة أقدم بكثير من الحضارات المعروفة في المنطقة.

جدل علمي حول طبيعة الموقع

تُعد فرضية "المدينة الغارقة" محل خلاف واسع داخل الأوساط الأكاديمية، إذ يرى بعض الباحثين أن التكوينات المرصودة قد تعكس تخطيطًا هندسيًا يدل على نشاط بشري منظم، بينما يرفض آخرون هذه الاستنتاجات، معتبرين أن الأدلة غير كافية لإثبات وجود مدينة متكاملة.

وتتمحور نقاط الجدل حول مدى صحة ربط المواد المستخرجة بعمر الموقع نفسه، خصوصًا أن بعض التحليلات اعتمدت على عينات محدودة، من بينها قطعة خشبية واحدة فقط، ما يثير تساؤلات حول دقة الاستنتاجات الزمنية.

كما يشير باحثون إلى أن المنطقة تتعرض لتيارات بحرية قوية وتغيرات مستمرة في حركة الرواسب، وهو ما قد يؤدي إلى إعادة تشكيل القاع ونقل المواد من مواقع مختلفة، بما يضعف إمكانية الجزم بأن كل المكتشفات تنتمي إلى موقع واحد متماسك.

بين فرضية الحضارة المفقودة والقراءة الجيولوجية

يرى بعض العلماء المؤيدين لفرضية "الحضارة المفقودة" أن أنماط التكوينات المرصودة عبر السونار، مثل المساحات الشبكية والأشكال المستطيلة، لا يمكن تفسيرها بسهولة على أنها ظواهر طبيعية، بل قد تعكس تخطيطًا عمرانيًا قديمًا.

في المقابل، يؤكد علماء آخرون أن هذه التفسيرات قد تكون مبالغًا فيها، وأن عمليات التعرية البحرية والحركة المستمرة للرمال قادرة على إنتاج أشكال هندسية مضللة بصريًا.

كما يشير بعض المتحفظين إلى أن السياق التاريخي المعروف للمنطقة لا يدعم حتى الآن وجود مدن متقدمة بهذا القدم، إذ تشير المعطيات الأثرية التقليدية إلى أن بدايات العمران المنظم في جنوب آسيا ظهرت في فترات لاحقة بكثير.

أهمية الاكتشاف

رغم استمرار الجدل لأكثر من عقدين، يبقى موقع خليج خامبات من أبرز الاكتشافات في مجال علم الآثار البحرية، لما يطرحه من أسئلة حول تأثير التغيرات المناخية وارتفاع مستويات البحار على المجتمعات البشرية القديمة، وإمكانية وجود مواقع أثرية لم تُكتشف بعد تحت المياه.

ويؤكد خبراء أن حسم هذا الجدل يتطلب عمليات تنقيب أوسع وأكثر دقة، تجمع بين التحليل الجيولوجي والآثاري وتقنيات التصوير الحديثة، من أجل التمييز بين ما هو طبيعي وما قد يكون من صنع الإنسان.

مدينة مفقودة أم خدعة طبيعية؟

حتى اليوم، لا يزال موقع خليج خامبات يطرح معضلة علمية مفتوحة: هل نحن أمام بقايا مدينة غارقة لحضارة مجهولة سبقت التاريخ المعروف في المنطقة، أم أمام تشكيلات جيولوجية فُسرت على نحو مبالغ فيه؟

وبين هاتين الفرضيتين، يظل الموقع شاهدًا على تعقيد دراسة الماضي البعيد في البيئات البحرية، وعلى الحدود الفاصلة بين الاكتشاف العلمي والتأويل التاريخي.

اشترك في قناة رائج على واتس آب لمتعة الترفيه