;

مصطلح الأوليغارشية (Oligarchy)

  • بواسطة: بابونج تاريخ النشر: الأحد، 24 نوفمبر 2019 آخر تحديث: الإثنين، 12 سبتمبر 2022

كثيراً ما نسمع بكلمة الأوليغارشية، وهي من بين الكلمات التي تختص بأنظمة الحكم في هذا البلد أو ذاك، قد تكون تهمة لهذا النظام أو ذاك، وقد تكون الحقيقة، فما هو معنى هذا المصطلح؟ ما هي جذوره؟

هل ما يزال مستخدماً؟ وعلى من ينطبق؟ هذا ما سنجيب عنه في هذه المقالة.

 

تعريف مصطلح الأوليغاشية

تعرف الأوليغارشية باللغة الإنكليزية باسم (Oligarchy)، تعود جذورها إلى الكلمة اليونانية oligarchie، وهي كلمتين الأولى oligos وتعني القلة، والثانية Arkhe وتعني القيادة.

  • عرف القاموس السياسي الفرنسي الأوليغارشية على أنها: "النظام السياسي الذي تكون فيه معظم القوى في أيدي عدد قليل من الأفراد، فإن بعض العائلات أو جزء صغير من السكان.وعادة ما تكون الطبقة الاجتماعية أو الطائفة، قد يكون مصدر قوتهم الثروة، التقاليد، القوة العسكرية، القسوة.. إلخ".
  • عرفت موسوعة لاروس الفرنسية الأوليغارشية على أنها: "النظام السياسي في السلطة التي ينتمي إلى عدد قليل من الأفراد تشكل إما النخبة المثقفة (الأرستقراطية) أو الأقلية المالكة (النخبة الثرية)، وكلاهما يتم الخلط بينهما في كثير من الأحيان".
  • عرفت صحيفة دونت الفرنسية (journal dunet) الأوليغارشية بأنها: "النظام السياسي الذي يمارس السلطة من قبل مجموعة صغيرة من الأفراد؛ هذا شكل من أشكال الحكم يقوم على مبدأ أن جزءاً فقط من المواطنين لديه المهارات والمعارف اللازمة لإدارة بلد: هو الطبقة الحاكمة".
  • عرّف القاموس البريطاني الأوليغارشية بأنها: "شكل من أشكال الحكم التي تناط من خلاله جميع السلطات في عدد قليل من الأشخاص أو في الطبقة المسيطرة أو في زمرة معينة".
  • عرف معجم أكسفورد البريطاني الأوليغارشية بأنها: "مجموعة قليلة من الناس تحكم دولة أو منظمة".
  • عُرفت الأوليغارشية وفق قاموس Merriam بأنها: "الحكومة التي تتألف من مجموعة صغيرة تحكم الناس لأغراض فاسدة وأنانية".

عرفت الموسوعة السياسية العربية (سلسلة من الكتب من سبعة أجزاء ألفها عبد الوهاب الكيلاني إضافة لعدد من من الباحثين في السياسة ضمت جميع المصطلحات السياسية.

إضافةً للمشاهير السياسيين والدول) الأوليغارشية؛ تحت مسمى الأوليغارشية المالية، بأنها:

"فئة اجتماعية تضم كبار المصرفيين والصناعين الذين يسيطرون على اقتصاد وسياسة البلدان المعاصرة، حيث يندمج رأس المال المصرفي برأس المال الصناعي مكوناً رأس المال المالي فيتركز القسم الأكبر من الثروة بأيدي قلة"

فعلى سبيل المثال وفق ما أوردت الموسوعة كانت الولايات المتحدة الأمريكية فيها أوليغارشية مالية قبيل الحرب العالمية الثانية، لكن بعد الحرب أصبحت هذه الأوليغارشية متجسدة في الشركات متعددة الجنسيات.

 

نظام الحكم الأوليغارشي

يستند نظام الأوليغارشية على ممارسة جماعية وقوة منفصلة، كما يقوم على فكرة أن هناك قلة قادرة على الحكم وإدارة الدولة وكرّست نفسها لهذا الأمر.

حيث يكون تنظيم السلطة فيها معقّداً نسبياً، وتعد هذه القلة غير مستقرة نسبياً، وغالباً ما ينتهي هذا الحكم بالثورة التي تؤدي إلى الانتقال إلى النظام الديمقراطي.

 

الأوليغارشية وأشكالها عبر التاريخ

اتخذت الأوليغارشية أشكالاً مختلفة في اليونان القديمة، لكنها تشاركت في تقسيم المواطنين إلى فئتين، (قلة تحكم وأكثرية محكومة).

وقد كانت الفئة الحاكمة تستمد حقها في الحكم إما عن طريق الولادة (الحكم الوراثي)، أو من الثروة التي تمتلكها.

وكان الفيلسوف اليوناني أفلاطون أول من استخدم كلمة الأوليغارشية للإشارة إلى الحكومة الأرستقراطية التي أصبحت تحكم لتحقيق مصالحها الشخصية بعيداً عن مصالح الشعب.

الأوليغارشية عند أفلاطون جذورها أرستقراطية وتنتهي بالثورة التي تُنتج الحكم الديمقراطي

أورد أفلاطون في كتابه "الجمهورية" أن الحكم يكون أرستقراطياً، حيث يكون هناك دستور تحكم بموجبه طبقة حاكمة، ومع الحكم لفترات طويلة قد يخترق الفساد هذا النظام نتيجة عدم الالتزام بالدستور.

والغنائم التي يحصدها النظام الحاكم من الحملات العسكرية، فيمتلك الثروة ويتحول النظام إلى الحكم الأوليغارشي وهو حكم يميز بين الأغنياء والفقراء.

حيث نشأ الحكم الأوليغارشي وهمه الحصول على المزيد من الأموال وتجميعها ثم صرفها على ملذات شخصية (كالحفلات)، حيث يعاني الحكم الأوليغارشي حينها العديد من المشاكل، منها:

  • عدم الاستقرار نتيجة انقسام المجتمع إلى طبقتين: الطبقة الغنية، والطبقة الفقيرة، حيث يرى أفلاطون أن مسؤولية الدولة هي منع التفاوت بين أبناء المجتمع.

من خلال تنفيذ القوانين التي تمنع المواطنين من الحصول على الثروة على حساب غيرهم، أو أن يصبح الأغنياء فقراء عن طريق إضاعة المال.

ولكن هذه القوانين لم تفرض في الأوليغارشيات لأنه في طبيعة الدولة؛ تسعى القلة لجعل التفاوت يبدو أكثر وضوحاً من أجل إشباع الشهوة المادية لدى الحكام.

في حين يصبح الأكثرية من الشعب فقراء إما متسولين أو بلطجية؛ مما يؤدي إلى نمو الروح الثورية لدى أبناء الشعب.

  • ضعف الأداء في الحملات العسكرية: فالأوليغارشية ستلجأ في الحملات العسكرية لبناء جيش من الأغنياء وهم الطبقة القليلة، فيصبح الجيش صغيراً.

حيث لا تمنح الأوليغارشية السلاح للفقراء لأنها لا تثق بهم، وتخاف من أن يقوموا بالثورة ضدها عوضاً عن القيام بالحملات العسكرية.

لكن ذلك لا يمنع الثورة من الحصول، حيث يعلن الفقراء الذي باتوا أغلبية الناس الثورة ضد النظام الأوليغارشي، وينجحون وفق أفلاطون في القضاء على النظام الأوليغاريشي ويؤسسون النظام الديمقراطي.

حيث يقومون بتقسيم أموال الطبقة التي كانت حاكمة بين أبناء الشعب وبذلك يتساوون في الثروة.

كما يمكن تلخيص الأوليغارشية عند أفلاطون بأنها النظام الأرستقراطي الذي خرج عن نظام الحكم المستند للدستور وقرر التوجه نحو جمع الأموال، وتحقيق الثروات على حساب الشعب، من خلال فرض الضرائب ومصادرة الممتلكات.

لكن هذه السياسة وعلى مبدأ: (الذي يزيد عن حده يصبح ضده) يتحالف الفقراء مع بعضهم ويقومون بالثورة وإسقاط هذا الحكم الذي أصبح همه تجميع الثروة.

بالتالي يتحول النظام إلى ديمقراطي. وفي كتابه (السياسة) قسم أفلاطون أنظمة الحكم إلى قسمين؛ قسم ملتزم بالقانون، وقسم غير ملتزم بالقانون، حيث يدرج الأوليغارشية ضمن القسم الثاني (أي غير الملتزمين بالقانون).

أشكال الأوليغارشية عند أرسطو

بحسب الفيلسوف اليوناني أرسطو هناك أربعة أشكال رئيسية للأوليغارشية، هي:

  1. الأوليغارشية المختلطة، أقرب أنواع الأوليغارشية للديمقراطية، منفتحة على الطبقات الفقيرة لتشاركها في السلطة، وتحكم باسم القانون، وقد ظهر هذا النوع من الأوليغارشية في القرنين الرابع والخامس الميلاديين، مثل: الأقلية التي حكمت أثينا.
  2. الأوليغارشية السياسية، مستمدة من الأسرة وهي أكثر مدنية من الشكل السابق، حيث يزداد طموح الأسرة الغنية في الوصول إلى السلطة، وتفترض حقها في أن تشغل الوظائف الحكومية، هذا ينطبق على نظام الحكم في أثينا خلال القرن الخامس قبل الميلاد أي في عام 411.
  3. أوليغارشية السلالات المتعددة، حيث يمارس السلطة عدد قليل من العائلات النبيلة تمارس حقها في حكم جميع نفقات الدولة، حيث تنتقل هذه الوظائف من الأب إلى الابن، ومع ذلك، لا تتركز السلطة في يد واحدة، وهذا هو القانون الذي يضمن الميراث من الامتيازات التي يحصل عليها الحاكم.
  4. الأوليغارشية السلالية، أكثر أنواع الأوليغارشية تطرفاً، وهي مجموعة أقلية تحكم لأنها تملك المال، ولا تستند في حكمها إلى القانون، كالأسر التي حكمت في تساليا.

الأوليغارشية عند الرومان

اعتقد الفيلسوف والمؤرخ الروماني بوليب بوجود قانونٍ سياسيّ تاريخيّ لنمو الدول وتطورها، وأطلق عليه قانون دورات الحكم؛ استنبطه من رأيه الذي يقول بأن "الحكومات الصّالحة ذات اللون الواحد.

إذا استمرت في الحكم فترة طويلة ستصبح فاسدة"، كما استفاد بوليب من تقسيم أنظمة الحكم لدى أفلاطون وأرسطو. حيث تتبع دورات الحكم عند بوليب النظام التالي:

  • الدورة الأولى: من الحكم الملكي المطلق إلى الملكية الدستورية، تبدأ دورات الحكم عند بوليب بالنظام الملكي المطلق، حيث تتجمع السلطات بيد الملك، ويخضع له الرعية في كافة أرجاء المملكة، ثم يتحول هذا النظام إلى ملكية دستورية يتقاسم فيها الملك صلاحياته مع الشعب أو مجالس منتخبة منه، على سبيل المثال تحول النظام الملكي البريطاني المطلق إلى ملكية دستورية وذلك في الخامس عشر من شهر حزيران/ يونيو عام 1215.
  • الدورة الثانية: من الملكية الدستورية إلى الملكية الاستبدادية، برأي بوليب تتحول المجالس المنتخبة والحكومات إلى الحكم وفق مصالحهم الشخصية، دون النظر إلى مصالح الشعب وأخذها بعين الاعتبار، فتتحول الملكية الدستورية إلى ملكية استبدادية.
  • الدورة الثالثة: من الحكم الاستبدادي إلى الحكم الأرستقراطي، بعد استقرار الأمور للنظام الملكي الاستبدادي يرفضه الشعب فيقوم بالثورة التي تقودها نخبة، فيقوم الشعب بتعيين هذه النخبة لتحكمه تكريماً لها باعتبارها هي من أنقذتهم من الملكية الاستبدادية، وهنا يبدأ الحكم الأرستقراطي الذي يعمل لصالح الشعب.
  • الدورة الرابعة: من الحكم الأرستقراطي إلى الحكم الأوليغارشي، بعد استقرار الأمر للحكم الأرستقراطي يبدأ بالحكم وفق مصالح الحكام من دون الأخذ بعين الاعتبار مصالح الشعب، فيتحول نظام الحكم إلى أوليغارشي.
  • الدورة الخامسة: من الحكم الأوليغارشي إلى الحكم الديمقراطي، يقوم الحكام في الحكم الأوليغارشي بالمغالاة في جمع الأموال على حساب الشعب، حيث يقومون بفرض الضرائب على الناس، الأمر الذي يفوق طاقتهم فيثورون على هذا النظام ويسقطونه ويقيمون حكماً ديمقراطياً يقوم على أساس الحرية، المساواة، حكم القانون.
  • الدورة السادسة: من النظام الديمقراطي إلى النظام الغوغائي، بعد فترة من الحكم الديمقراطي تنشأ خلافات بين الناس، وينتشر الفساد بين من يمارسون السلطة، فيتحول النظام إلى غوغائي.
  • الدورة السابعة: من النظام الغوغائي إلى الملكية المطلقة، نتيجة قيام النظام الغوغائي تنتشر الفوضى حيث يزداد الأغنياء غنى ويزداد الفقراء فقراً، ويخسر الناس أمنهم وأمانهم، فيأتي رجل يحظى بثقة الناس يفرض الأمن والنظام وتعود الملكية المطلقة من جديد للحكم وهكذا...

الحل الوحيد لإيقاف دورة الحكم هذه؛ تكمن في رأي بوليب في إيجاد نظام مختلط يجمع مزايا أنظمة الحكم السابقة.

فالملك هو الذي يمثل مبدأ الحكم الملكي، ومجلس الشيوخ يمثل مبدأ الحكم الأرستقراطي، المجالس الشعبية تمثل الحكم الديمقراطي.

 

الأوليغارشية نظام حكم في العديد من الدول في العصور القديمة

كانت الأوليغارشية وما زالت تقنع الناس بأنها أقلية تستطيع إدارة الدولة أفضل من غيرها، وأنها تفرّغت لخدمة المواطنين في هذا البلد أو ذاك.

ومن الأمثلة على نظام الحكم الأوليغارشي في العصور القديمة، الجمهورية الرومانية، كذلك مؤسسات الحكم الملكي المطلق في فرنسا.

حيث يتم حجز السلطة السياسية والعسكرية بأيدي النبلاء (النبيل مصطلح يطلق على طبقة الأغنياء)، كما في الجمهورية الفرنسية الأولى حيث تركزت السلطة السياسية في أيدي القلة.

في الختام.. شكلت الأوليغارشية أبرز المصطلحات التي تعود إلى العهد اليوناني، حيث استخدمها للمرة الأولى الفيلسوف اليوناني أفلاطون باعتبارها نظام حكم فضّل تجميع الثروات على حكم البلاد لصالح الناس.

فكانت النتيجة الثورة والانتقال للحكم الديمقراطي، بالتالي يمكن القول أن الأوليغارشية جذورها أرستقراطية وتنتهي بالحكم الديمقراطي.

اشترك في قناة رائج على واتس آب لمتعة الترفيه