;

منتصف العمر ، بين منطقة الراحة وقلق البدايات الجديدة

منتصف العمر ، بين منطقة الراحة وقلق البدايات الجديدة

  • ALi khaddourbronzeبواسطة: ALi khaddour تاريخ النشر: منذ ساعة زمن القراءة: 4 دقائق قراءة
منتصف العمر ، بين منطقة الراحة وقلق البدايات الجديدة

في الساعة الثامنة صباحاً أو بعد ذلك بقليل، يغادر الرّجل منزله كما اعتاد منذ سنوات. الطَّريق ذاته، الإشارات ذاتها، الوجوه ذاتها، المكتب ذاته. لا شيء يبدو جديدًا في المشهد، سوى شعور خفيّ يتسلَّل إلى داخله وهو يقود سيارته: إحساس غامض بأنَّ الزمن يركض أسرع منه، وأنَّ ما كان يوماً صعوداً أمسى اليوم دورانًا في المكان ذاته.

هذا الرجل ليس فاشلًا. على العكس، هو نموذج لشخص على عتبةِ مَا يُسمّى “النَّجاح المَعقول”. وظيفة مستقرة، دخل مقبول، أسرة، مكانة اجتماعية، سجل مهني لا يثير القلق. ولكنه، في منتصف العمر، بدأ يكتشف أن الاستقرار حين يطول، قَد يتحوَّل إلى حالة من الركود الصامت، وأن الإنجاز حين لا يتجدد، يفقد قدرته على الإلهام.

في سنواته الأولى، كان يعمل بدافع الحلم. وفي منتصف مسيرته، صار يعمل بدافع المحافظة على ما حققه.

وهنا يَبدأ التَّحول النَّفسي العَميق، لم يعد السؤال: كيف أصل؟
بل: كيف أبقى؟ يجد الرجل نفسه محاصراً بين صورتين متناقضتين: صورة الشاب الذي كان مستعداً للمجازفة بكل شيء، وصورة الأب أو المسؤول الذي لا يملك رفاهية خوض التجربة وارتكاب الخطأ. بين هاتين الصورتين تتشكل حالة ذهنيّة معقدة، فِيها خَوف من التَّراجع، وحَنين إلى الجرأة، وقَلق مِن المجهول، وتَمسُّّك بما هو مألوف.

هذا الصّراع لا يَظهَر إلى العَلن ولا يُكتب في التقارير اليومية ولا يُناقش في الاجتماعات. لكنه حاضر في ثنايا التَّفاصيل الصغيرة، في فتور الحماس، في تأجيل القرارات، فيالرِّضا بالحدِّ الأدنى، في مقاومة أي تَغيير قَد يُخَلخِل التَّوازن القَائم.

ثم جاءت موجة تطور تكنولوجي لتضيف طبقة جديدة من القلق. فخلال عقدين فقط، تبدّل شَكل العَمل بِالكَامل. تَحوّلت المَكاتِب إلى مِنصَّات رَقميّة، والاجتِماعات إلى شاشات، والمَهَارات إلى دَورات مُتلاحقة، والخِبرة إلى شيء لا يكفي وَحده ما لم يُدعّم بالتَّحديث المُستمر.

وجد كثير من رجال مُنتَصف العمر أنفسهم فَجأة في مضمارِ سِباق لم يَستعدّوا له، أمام أجيالٍ نَشَأت دَاخِل هَذا العَالم الرَّقمي، تُتقِن لُغَتَه، وتَتَحرَّك فيه بسهولة، والمشكلة لم تكمن في عدم القدرة على التعلم، بل في الإحساس بأنَّ القواعد تغيّرت في مُنتَصِف الّلعبة.

رجل أمضى عشرين عاماً يَبني نَفسَه وفقَ مَنظومة مُعيَّنة، يُطلَبُ مِنه الآن أن يُعيد تَشكيلها بِسرعة، دون أن يَتَوَقَّف الزَّمن في انتظاره. وهَذا التَّحول خَلقَ حَالة من الارتباك الدَّاخلي، امتزج فيها الشعور بِعَدَم الأمَان بِالخَوف مِن فِقدان القِيمة، وبالقَلق مِن أن يُصبِح “خارج المضمار” رغم سنوات العطاء.

ومع تغيّر أساليب العمل، تَغيّرت أيضاً العلاقة مع الوظيفة ذاتها. فلم تَعُد كما كانت سابقاً مَصدراً طويل الأمد للاطمئنان، بل أصبحا عقداً مؤقَّتاً مَع المُستَقبَل. ولم يعد الالتزام المتبادل مضموناً، ولم تَعُد الخِبرة وَحدها صَكّ أمان وحماية من كبوة العمر. هذا الواقع ولَّد لدى كثيرين شعوراً دائماً بالتَّهديد، كأن الأرض المهنية الثَّابتة الَّتي اعتادوا الوقوف عليها أصبحت تَهتَزُّ يَومياً وقابلة للانهيار في أي لحظة.

في الخلفية، كانت الحياة الشَّخصية تَمضي هي الأخرى في مسارها الخاص. مسؤوليّات مُتراكمة، أبناء يَكبرون، التزامات ماليّة، توقُّعات اجتماعية، أدوار مُتَعدّدة لا يُمكن التَّخلي عنها. وسط هذا كلِّه، يُصبِح التَّفكير بِالمُغَامرة المِهَنيّة أو العلميّة نوعاً مِنَ التَّرف الَّذي لا يَسمَح به واقع الحال.

وهكذا، يَتَشكَّل نَمط نَفسيٌّ شَائِع: رَجل يَعمَل بِكَفاءة، يؤدّي واجِبَه، يَلتَزِم بِمَوقِعه، لكنّه فِي دَاخله يَشعر بِأنَّ شَيئاً مَا يتآكل ببطْء، هو الشغف والرغبة.

إلا أنَّ مُنتَصَف العُمر لا يعني بالضرورة بداية الانحدار، كما تُحاوِل بعض الرُؤى النَّمطية أن تصوّره. بل قد يكون لَحظَة وَعي مُتَأخِّر، يَكتَشِف فيها الإنسان أنَّ التَّجربة التي راكمها عبر سنين التعب والبناء يمكن أن تكون منصَّة انطلاق جديدة، بدل من أن تكون أفقاً ضيقاً لمسيرته.

كثيرون أعادوا تشكيل مسارهم في هذه المرحلة. تعلّموا مهارات جديدة، دخلوا مجالات مختلفة، طوّروا أدواتهم، وسّعوا آفاقهم، بدافع الحفاظ على حضورهم الذهني والمهني. وهؤلاء لم ينكروا أعمارَهم، ولم يحاولوا تقليد غيرهم، بل استثمروا فيما لَدَيهم مِنَ النّضج، الصّبر، الرُّؤية الطَّويلة، القدرة على الرَّبط بَين التَّجربة والمعرفة.

إلّا أنَّ الطّموح في منتصف العمر لا يَكون صَاخِباً كَما في البِدايات. لا يُعلن عن نفسه بالشعارات الطَّنانة بل يَظهَر في القَرارات الصَّغيرة، في الاستمرار بالتعلّم، في رفض الجمود، في مراجِعة الذَّات، وفي الاستعداد للتَّكيّف، إنَّه طُموح هادئ، عَميق، وَاقعي، لكنَّه عَنيد.

وفي النِّهاية، لا يُواجه رِجال مُنتَصَف العمر أزمة عُمر بِقدر ما يواجهون أزمة مَعنى. يبحثون عن إجابة لسؤال غير مُعلَنٍ: ما الذي أضيفه أنا الآن؟ ما قيمتي في المرحلة القادمة؟ كيف أعيش بقيّة الطَّريق بِوعي لا بحكم العادة؟

والسؤال الذي يطرح نفسه في ظلّ هذا التسارع التي تشهده حياتنا اليوم، هل ينجح الرجل في إعادة رسم علاقته بعمله، وبذاته، وبالزمن، بما يكفل له استقراراً يزن ما بقي له من العمر، وهل يتحول منتصف العمر من عبء ثقيل إلى مرحلة نضج منتج، ومن قلق صامت إلى وعي متوازن، ومن خوف من التراجع إلى قدرة على الاستمرار بكرامة. فالحياة لا تُقاس بعدد المراحل التي نعبرها، بل بقدرتنا على أن نبقى أحياء في داخلها، مهما تغيّرت الطّرق.

اشترك في قناة رائج على واتس آب لمتعة الترفيه
  • المحتوى الذي تستمتع به هنا يمثل رأي المساهم وليس بالضرورة رأي الناشر. يحتفظ الناشر بالحق في عدم نشر المحتوى.

    ALi khaddour bronze

    الكاتب ALi khaddour

    مجاز من كلية الحقوق في جامعة دمشق وحاصل على ماجستير في الإدارة، أنجز العديد من الدورات التدريبية في عدة مراكز في مجالات التحكيم التجاري والهندسي وإنشاء العقود، وشارك في ورشات عمل متعددة مع منظمات دولية. عمل مستشارًا لعدد من الشركات والهيئات والمنظمات الدولية في سورية، كما يشغل منصب مستشار في دولة الإمارات العربية المتحدة وباحث قانوني في تشريعات الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي، وله مؤلفات ومقالات منشورة في هذا المجال.

    image UGC

    هل لديكم شغف للكتابة وتريدون نشر محتواكم على منصة نشر معروفة؟ اضغطوا هنا وسجلوا الآن !

    انضموا إلينا مجاناً!