مسجد قبَّة الصَّخرة

  • بواسطة: بابونج تاريخ النشر: الأحد، 24 نوفمبر 2019
مسجد قبَّة الصَّخرة
مقالات ذات صلة
ما المقصود بحرب الخنادق، وكيف يعيش الجنود فيها
حرب فيتنام، الأسباب والنتائج
هيروشيما وناجازاكي أول ضحايا القنبلة النووية

تعتبر قبَّة الصَّخرة من أقدم الأبنية الإسلامية حول العالم، وتكتسب قداسة استثنائية لدى المسلمين بسبب بنائها فوق الصَّخرة المشرَّفة في المسجد الأقصى.

قبَّة الصَّخرة هي القبَّة الذهبيَّة، وقد ساد اعتقادٌ خاطئ أنَّها وحدها تشكِّل المسجد الأقصى، كما ساد اعتقادٌ خاطئ بهدف تصحيح الخطأ الأول أنَّ الجامع القبلي هو وحده المسجد الأقصى وليس قبَّة الصَّخرة.

أمَّا الحقيقة أنَّ قبَّة الصَّخرة والجامع القبلي واقعين ضمن مساحة المسجد الأقصى، وقد بينَّا ذلك بالتفصيل في المادَّة التي أعدَّها لكم موقع بابونج سابقاً عن مكانة المسجد الأقصى في الإسلام، يمكنكم مراجعتها من خلال هذا الرابط.

مسجد قبَّة الصَّخرة

تصميم قبَّة الصخرة وأجزاؤه

1. تصميم قبة الصخرة الهندسي

مسجد قبَّة الصَّخرة

  • كما ذكرنا؛ بناء قبَّة الصَّخرة بناءٌ مثمَّن تعتليه القبَّة الذَّهبية.
  • لكن داخل المثمَّن الخارجي لبناء القبَّة مثمَّنٌ آخر، يفصل بينهما رواقٌ معمَّدٌ بأعمدة مربعة كبيرة (مداميك)، هذه الأعمدة تمنح المثمَّن الداخلي شكله.
  • بين كلِّ عمودٍ مربعٍ وآخر يوجد عامودان أسطوانيان، حيث يبلغ عدد مداميك (المثمَّنة) الداخلية للرواق ثمَّانية أعمدة مربعة، والأسطوانية ستة عشر عموداً.
  • ثمَّ تأتي الصَّخرة المشرفة التي عرج النبي منها في الوسط، محاطةً بدائرةٍ معمَّدةٍ بنفس الأسلوب، أربعة أعمدة مربعة، بين كل منها ثلاثة أعمدة أسطوانية.

2. القبَّة الداخلية والخارجية فوق الصَّخرة

مسجد قبَّة الصَّخرة

بنيت القبَّة على مرحلتين؛ القبَّة الخارجية المعدنية، والقبَّة الداخلية المصنوعة من الخشب.

  • يفصل بين القبتين فراغٌ يُقدر بحوالي مترٍ واحد كما أنَّ القبَّة الداخلية مغطاة بالجص المذهَّب.
  • صُنعت القبَّة الخارجية أول الأمر من الرَّصاص المغطَّى بالذهب، ثمَّ تم استبداله بألواح من الرصاص حتى الخمسينيات من القرن الماضي، فاستبدلت بألواح الألمنيوم المُذهّب.

أخيراً تم استبدال الألمنيوم المذهب بمعدن الزنك (التوتياء) المطلي بطبقة رقيقة من الذهب الخالص عام 1995، حيث استُخدم في ذلك 24 كغ من الذهب.

3. مغارة الأرواح

مسجد قبَّة الصَّخرة

  • في داخل الصَّخرة توجد مغارة الأرواح وتتسع لقرابة أربعين شخصاً، في سطحها فتحة دائرية، وتدور حول هذه المغارة خرافات عدة، حيث يتداول الناس أنَّ جبريل عليه السلام فتحها بإصبعه، أو أنَّها أُحدثت عند معراج النبي المصطفى (ص) إلى السماء.
  • يذكر (أطلس معالم المسجد الأقصى) أنَّ الصليبيين قلبوا المسجد إلى كنيسة حوالي العام 1099 ميلادي، وحولوا الصَّخرة إلى مذبح، فحفروا هذه المغارة فيها.
  • في حين يؤكد د.معروف عبد الله عمر، مؤلف كتاب (المدخل إلى دراسة المسجد الأقصى المبارك) أنَّ الصليبين اقتطعوا قطعاً كبيرة من الصَّخرة، حيث كانوا يبيعونها للحجاج لقاء وزنها ذهباً، وهي الرواية التي يذكرها ابن كثير في البداية والنهاية.
  • علماً أن مدخل المغارة يقع في الجهة الجنوبية للصخرة وفيها محرابان، فضلاً عن اثني عشر محراباً في باقي البناء، أمَّا المحراب الرئيسي ففي جهة القبلة وهو منفرد.

4. زخارف ورسومات قبَّة الصَّخرة

مسجد قبَّة الصَّخرة

كانت الفسيفساء تغطي قبَّة الصخرة من الخارج، لكن السلطان العثماني سليمان القانوني أمر باستبدال الفسيفساء بالقيشاني الأزرق سنة 969هـ/1561م.

ثمَّ تمت كتابة سورة "يس" على الجدران الخارجية في عهد السلطان عبد الحميد الثاني سنة 1293هـ/1876م، وقد كُلِّف بذلك الخطَّاط محمد شفيق.

مسجد قبَّة الصَّخرة

تمثِّل جدران وأعمدة قبَّة الصَّخرة واحداً من أقدم آثار الفن الإسلامي، خاصة الزخارف الأموية التي تميزت بالفسيفساء والزخرفة النباتية.

متضمنةً كتابات أموية أصلية كلُّها دينية، منها أجزاء من سورة "طه" من القرآن الكريم على رقبَّة القبَّة من الداخل.

كما تعتبر هذه النقوش والفسيفساء فريدة لا مثيل لها في العالم الإسلامي، إلا ما كان في الجامع الأموي بدمشق قبل أن تغيره ظروف الزمن، فالزخارف الحالية في الأموي من أعمال الترميم.

تاريخ ترميم قبَّة الصَّخرة

  • أول ترميمٍ لقبة الصخرة في عهد الخليفة العباسي المأمون سنة 216هـ/831م، حيث تم استبدال اسم عبد الملك بن مروان المنقوش على القبَّة باسم المأمون، لكن من قام بذلك أغفل تعديل التاريخ، فبقي التاريخ 72هـ يشير إلى عهد الخليفة الأموي عبد الملك.
  • قام الخليفة الفاطمي الظاهر لإعزاز دين الله بترميم القبَّة بعد خمس سنوات من الزلزال الذي ضرب القدس سنة 407هـ/1016م، ثمَّ رممها الخليفة الفاطمي القائم بأمر الله سنة 467هـ/1075م.
  • بعد بدء الحروب الصليبية خرجت مدينة القدس من السيطرة الإسلامية، حيث سيطر الفرنجة على المسجد الأقصى ومنه قبَّة الصخرة، فحولوا القبَّة إلى كنيسة.
  • بقيت قبَّة الصَّخرة خاضعة لمملكة القدس اللاتينية حتَّى استعادها صلاح الدين الأيوبي من خلال صلحه مع صاحب الفرنجة، وكان ذلك سنة 586هـ/1190م.
  • قام سلاطين المماليك بعدَّة أعمال ترميم في القبَّة، أولها في عهد الظاهر بيبرس سنة 659هـ 1260م، وآخرها في عهد الملك الأشرف قايتباي سنة 872هـ/1467م، لكن ذلك لم يغير في البنية الفنية الأموية، وكان أكبر تغيير أُحدث في القبَّة في عهد السلطان العثمَّاني سليمان القانوني كما ذكرنا، حيث بدَّل فسيفساء المثمَّن الخارجي للقبَّة بالقيشاني (طين مشوية مغطى بطبقة من المينا تعطيه شكلاً زجاجياً).
  • كما شهد العهد العثماني عدَّة أعمال ترميم أخرى منها فتح نافذتين وربطهما بسلاسل ذهبية، مطلع القرن السابع عشر الميلادي، وكتابة سورة ياسين على الجدران الخارجية للقبَّة في عهد السلطان عبد الحميد الثاني.

آخر عمليات الترميم في قبة الصخرة

مسجد قبَّة الصَّخرة

بدأت آخر أعمال الترميم في قبة الصخرة عام 2008 وهو من مشاريع الإعمار الهاشمي للمسجد الأقصى المبارك، والذي يشرف عليه الملك الأردني عبد الله الثاني بصفته صاحب الوصاية على الأماكن المقدسة.

استهدف المشروع ترميم قبة الصخرة من الداخل من خلال إعادة تكوين الزخارف الجصية والفسيفساء كما كانت في الأصل، إذ استمر العمل فيه ثمان سنوات حيث انتهت أعمال الترميم عام 2016.

وتزامن ترميم قبة الصخرة مع أعمال ترميم مماثلة في الجامع القبلي لإصلاح ما أفسده حريق عام 1969، وانتهى العمل من المسجد القبلي عام 2014.

قبَّة الصَّخرة ومعالم القدس في شِعر تميم البرغوثي

في واحدة من أجمل قصائده بعنوان "في القدس" يقدم الشَّاعر تميم البرغوثي وصفاً بديعاً لمعالم القدس ومن بينها قبَّة الصَّخرة، فيقول:

في القدس أبنيةٌ حجارتُها اقتباساتٌ من الإنجيلِ والقرآنْ

في القدس تعريفُ الجمالِ مُثَمَّنُ الأضلاعِ أزرقُ

فَوْقَهُ يا دامَ عِزُّكَ قُبَّةٌ ذَهَبِيَّةٌ

تبدو برأيي مثل مرآةٍ مُحدَّبةٍ تَرى وجهَ السَّماءِ مُلَخَّصَاً فيها

تُدَلِّلُها وَتُدْنِيها

تُوَزِّعُها كَأَكْياسِ المعُونَةِ في الحِصَارِ لمستَحِقِّيها

إذا ما أُمَّةٌ مِن بَعدِ خُطْبَةِ جُمْعَةٍ مَدَّتْ بِأَيْدِيها

وفي القُدسِ السَّماءُ تَفَرَّقَتْ في النَّاسِ تَحمينا ونَحميها

ونَحملُها عَلى أكتَافِنا حَمْلاً إذا جَارَت على أقمارِها الأزمانْ

.....

في القُدسِ أعمدةُ الرُّخامِ الدَّاكناتُ كأنَّ تعريقَ الرُّخامِ دخانْ

ونوافذٌ تعلو المساجدَ والكنائس، أَمْسَكَتْ بيدِ الصُّباحِ تُرِيهِ كيفَ النقشُ بالألوان

وَهْوَ يقول: "لا بل هكذا"، فَتَقُولُ: "لا بل هكذا"

حتى إذا طال الخلافُ تقاسما؛ فالصبحُ حُرٌّ خارجَ العَتَبَاتِ لَكِنْ...

إن أرادَ دخولَها فَعَلَيهِ أن يَرْضَى بحُكْمِ نوافذِ الرَّحمنْ

هناك عدَّة روايات تاريخية عن أسباب بناء قبَّة الصَّخرة

بنيت قبَّة الصَّخرة في عهد الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان حيث بدأ العمل على البناء 66ه/685م، وانتهى العمل سنة 72ه/691م.

أمَّا عن أسباب بناء قبَّة الصَّخرة فلا بد من النظر إلى التوترات الكبيرة بين الدولة الأموية ومعارضيها وخاصَّة بين عبد الله بن الزبير المقيم في مكَّة وبين الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان بن الحكم المقيم في دمشق مقر الخلافة.

فإحدى أبرز الروايات التاريخية عن بناء مسجد قبَّة الصَّخرة تبرر إقدام الأمويين على هذا البناء بخوف عبد الملك بن مروان من اجتماع الناس حول عبد الله بن الزبير في مكَّة.

فقرَّر أن يمنع عنهم الحج وبنى قبَّة الصَّخرة كتعويض لهم مستنداً بذلك ربما إلى الحديث النبوي:

"لا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلاَّ إِلى ثلاثةِ مَسَاجِد: المَسْجِدِ الحَرَام ومَسْجِدِي هَذَا والمَسْجِدِ الأَقْصَى".

يروي ابن كثير في البداية والنهاية قصَّة بناء قبَّة الصَّخرة في الجزء 12 ص44 طبعة دار الهجر، مستنداً إلى رواية سبط ابن الجوزي في مرآة الزمان:

"وفيها (يقصد سنة 66 هجرية) ابتدأ عبد الملك بن مروان ببناء القبَّة على صخرة بيتِ المقدس، وعمارة الجامع الأقصى، وكملت عمارته سنة ثلاث وسبعين، وكان السبب في ذلك أنَّ عبد الله بن الزبير كان قد استولى على مكَّة.

كان يخطب في أيام منى وعرفة ومقام الناس بمكَّة، وينال من عبد الملك ويذكر مساوئ بني مروان، ويقول إن النبيَّ لعن الحَكَم وما نَسَل، وأنَّه طريد رسول الله ولعينه.

وكان يدعو إلى نفسِهِ وكان فصيحاً فمال معظم أهل الشام إليه، بلغ ذلك عبد الملك فمنع النَّاس من الحج؛ فضجوا، فبنى لهم القبَّة على الصَّخرة والجامع الأقصى ليشغلهم بذلك عن الحج ويستعطف قلوبهم.

وكانوا يقفون عند الصَّخرة ويطوفون حولها كما يطوفون حول الكعبة، وينحرون يوم العيد ويحلقون رؤوسهم...".

ورصد لبنائها خراج مصر سبع سنين، مبلغاً وصل إلى خمسة عشر ألف دينار (15مليون)، منها مائة ألف دينار ذهبي، أمر بها الخليفة للقائمين على المشروع.

وهم حيوة الكندي البيساني، ويزيد بن سلام، لكنَّهما رفضا المكافأة، فصُهرت الدنانير الذهبية، وسُكبت على القبَّة.

روايات أخرى عن أسباب بناء قبَّة الصَّخرة

إضافة إلى رواية الأسباب السياسية التي دفعت الخليفة عبد الملك بن مروان إلى بناء قبَّة الصَّخرة توجد العديد من الآراء حول هذا الموضوع.

منها أنَّ القبَّة بنيت لتحاكي كنيسة القيامة ولتعزيز وجود المسلمين الحضاري في الأرض المقدَّسة، ومنها أنَّ بناء قبَّة الصَّخرة لم يكن إلَّا جزءاً من الحركة العمرانية التي قام بها الأمويون في تلك الفترة.

خاصَّة أنَّ بناء الجامع الأموي في دمشق كان بعد فترة وجيزة في عهد الوليد بن عبد الملك حوالي سنة 705 ميلادية.

ومهما يكن؛ فإن المهندس الذي خطط لبناء المسجد الأقصى كان يرمي إلى إحاطة الصَّخرة المشرَّفة بصرح ديني تكون هي مركزه.

حيث أخذ البناء شكلاً مثمَّناً تعتليه قبَّة ذهبية فوق الصَّخرة المشرَّفة مباشرة، والصَّخرة المشرَّفة ترتفع في مركز البناء قرابة متر ونصف بشكل غير منتظم، يتراوح قطرها بين 13-18 متراً.

ختاماً... يشير الشيخ عزام الخطيب مدير دائرة الأوقاف الإسلامية في القدس إلى عقبات تواجه عمليات الترميم في معالم المسجد الأقصى عامَّة، حيث تحاول سلطات الاحتلال أن تتدخل في عملية الترميم.

كما تعيق دخول مواد الترميم إلى أماكن العمل، ومع ذلك ما زالت هناك مشاريع كبرى للإعمار الهاشمي قيد الإنجاز فيما يتعلق بترميم قبة الصخرة من الخارج وكذلك ترميم القبة الرصاصية (قبة الجامع القبلي).