;

شعر في فلسطين المحتلة وشعراء المقاومة

  • بواسطة: بابونج تاريخ النشر: الأحد، 24 نوفمبر 2019 آخر تحديث: الإثنين، 03 أكتوبر 2022

فلسطين المحتلة؛ ما تزال نكبتها، ونكستنا، مستيقظتان في الذاكرة، فهناك من لا زال يقاوم، بسلاحه، أو بكلمته، حيث رافق الحرفُ المناضلين الفلسطينيين منذ اليوم الأول للاحتلال، حتى يومنا هذا، مطالباً بالحق، ومسجِّلاً التاريخ، كما أنَّ للحرفِ أسفاره في أصقاع الأرض، أسفارٌ قد لا يقوى عليها السلاح، فيخوضها الأدباء، والشعراء، والمفكرون، في هذا المادة؛ سنستعرض أبرز ما قيل في فلسطين المحتلة، من خلال المرور على أعمال شعراء الأرض المحتلة، وتأثير الاحتلال في مفردات الشِعر العربي.

 

الشاعر عبد الكريم الكرمي وقصيدة فلسطين

ولد الشاعر عبد الكريم الكرمي في مدينة طولكرم الفلسطينية عام 1909، وهو سليل عائلة عريقة، حيث كان والده الشيخ سعيد الكرمي من مؤسسي المجمع العلمي في دمشق، نائباً لرئيسه محمد كرد علي، وله شقيقين عملا في الأدب، والصحافة، هما أحمد شاكر، وحسن الكرمي، كما تنقل أبو سلمى بين طولكرم، والقدس، وحيفا، ثم هاجر إلى سوريا بعد الكنبة، حيث زاول مهنة المحاماة، والتدريس في دمشق، إلى أنْ توفي، ودُفِن فيها، في الحادي عشر من تشرين الأول/أكتوبر سنة 1980.

طُرد من عمله بسبب قصيدة (فلسطين)

عام 1936، مع ثورة فلسطين الكبرى، نظم أبو سلمى قصيدته (فلسطين)، على خلفية بناء قصر المندوب السامي الانجليزي على جبل المكبر، فطردته سلطات الاحتلال الانجليزي من عمله:

يا فلَسْطِينُ انظُرِي شَعبَكِ في أروَعِ مَنظَر بلظى الثَّورَةِ والتَشْرِيدِ للعَالَمِ يَثْأَرْ

لَمْ يُحَرَّرْ وَطنٌ إِلاَّ إِذَا الشَّعـبُ تَحرَّرْ كُلُّ إِنسانٍ لَهُ دَارٌ وأحـلاَمٌ ومِزْهَـرْ

وأنَا الحَامِـلُ تَاريخَ بلادِي أتَعثَّرْ وعلَى كُلِّ  طَريقٍ لَمْ أَزَلْ أَشْعَثَ أَغْبَرْ

عندما بدأت نداءات إيقاف ثورة عام 1936 للتفاوض، قال الكرمي:

انشُرْ على لَهبِ القَصيدِ شكَوى العَبيدِ إلى العَبيدِ

شكَوى يُردِدُها الزمانُ غداً إلى الأبدِ الأبيدِ

 

فدوى طوقان شاعرة فلسطين

هي شقيقة الشاعر الفلسطيني إبراهيم طوقان، تتلمذت على يده عندما لم تتمكن من استكمال تعليمها، بسبب العادات السائدة آن ذاك، أسماها إبراهيم (أم تمام)، ولقبت (أم الشِعر الفلسطيني)، كما كان لنكسة العام 1967، أثر بالغ في مفردات فدوى طوفان، حيث شكَّلت منعطفاً كبيراً في شِعرها:

أجلسُ كَي أكتبَ، ماذا أكتب؟/ ما جدوى القول؟

يا أهلي، يا بَلدي، يا شَعبي؛ ما أحقَرَ أنْ أجلسَ كَي أكتبَ في هَذا اليوم

هلْ أحمي أهلي بالكلمة؟، هلْ أنقذُ بلدي بالكلمة؟

كُلُّ الكَلماتِ اليومَ، ملحٌ لا يروقُ أو يُزهر في هذا الليل.

أبيات على قبر فدوى طوقان في فلسطين

كُتبت هذه الأبيات على قبر الشاعرة فدوى طوقان، التي توفيت في فلسطين في الثاني عشر من كانون الأول/ديسمبر عام 2003:

كَفانِي أموتُ على أرضِها وأُدفنُ فِيها وتَحت ثَراها أذوبُ وأفْنى

وأُبعَثُ عُشباً على أرضِها وأُبعثُ زُهرةْ، تَعبثُ بها كفُ طفلٍ نمَّتهُ بلادي

كفاني أظلُ بِحضنِ بلادي تراباً، وعشباً وزهرةْ

 

معين بسيسو: البحر يحكي للنجوم حكاية الوطن السجين

الشاعر الغزّي معين بسيسو (1926-1984)، قدَّم للديوان الفلسطيني أعمال عديدة، ابتداء من ديوانه الأول الذي حمل عنوان (المعركة) وما تلاه من الشِعر، فضلاً عن تجربته المسرحية الفذة، كما كان معين بسيسو من الذين حملوا هموم الشعب الفلسطيني، وكتب الكثير لمدينته غزة:

مَديِنتي زَنبقةٌ خضراءُ لمْ تَنمْ على سَريرِ فَاتحْ، ولمْ تَصُبَّ الزَيتَ في مِصباحِ خَائنْ

رُموشُهُ بِساطُ كُلِّ مُقبلٍ ورائِحْ، مِن صَانعي المَذابحْ

ولمْ تَهبْ ضَفيرةً، أسلاكَ مُعتقلْ، ولَمْ تُقبِّل سَوطَ طَاغِيه، كجاريه

مَدينَتي رأيت كيفَ تَنسِجُ الأمَلْ، خُطى حَبيبِكِ البَطلْ

وكَيفَ قدْ نَشرتِ مِن دِمائِكِ الشِراعْ يَمخَرُ الحَرائقْ

النَّارُ لا تَمسُّهُ ولا الصَواعِقْ ولا الرَصاصُ طائراً حَصى مِن البَنادِقْ

معين بسيسو وغزَّة دائماً

البحرُ يَحكي للنُجومِ حِكايةَ الوَطنِ السَجينْ، والَّليلُ كالشحَّاذِ يَطرُقُ بِالدُموعِ وبالأنينْ

أبوابَ غَزَّةَ وهي مُغلقةٌ على الشَعبِ الحَزينْ، فيحرِّك الأحياءَ ناموا فَوقَ أنقاضِ السِنينْ

وكَأنَّهم قَبرٌ تَدُقُّ عَليهِ أيدي النَابشينْ

وتَكادُ أنوارُ الصَباحِ تُطلُّ مِن فَرطِ العذابْ، وتُطاردُ الَّليلَ الَّذي ما زالَ مَوفورَ الشَبابْ

لَكِّنهُ ما حَانَ مَوعِدُها وما حَانَ الذَهابْ، الماردُ الجَبَّارُ غَطَّى رأسَهُ العَالي التُرابْ

كالبحرِ غَطَّاهُ الضَبابُ، ولَيسَ يَقتلُهُ الضَبابْ

 

كان سميح القاسم الصوتَ القادمَ من أراضي الـ48

لسميح القاسم خصوصية شعرية، فهو شاعر الغضب الثوري، كما كان من أوائل الشباب الدروز الذين رفضوا التجنيد الإجباري في جيش العدو الإسرائيلي، وهو المقيم في الأراضي المسمَّاة (أراضي الـ48)، فتعرض للاعتقال، والإقامة الجبرية؛ من جهة ثانية، جمعته صداقة متينة مع شعراء الأرض المحتلة، في الداخل الفلسطيني، وفي الشتات، أبرزهم الشاعر محمود درويش، حيث يعتبر بعض النقاد، أن علاقة درويش، مع القاسم، كانت ظالمة للأخير، فطغى نجم محمود درويش، ولمع اسمه، في حين لم يأخذ سميح القاسم حقه، حتى أنَّه لمّا رحل في التاسع عشر من آب/أغسطس عام 2014، كتبت جريدة الأخبار عنوانها (سميح القاسم، النصف الأخر م الرتقالة).

أشدُّ من الماءِ حزناً

وأيقنتَ أنَّكَ بدءٌ ولا ينتهي، ولا ينتهي، ويضيقُ عليكَ الخِناقُ ولا ينتهي

وتَتَسعُ الثَغراتُ الجَديدةُ في السَقفِ

جدرانُ بيتكَ تَحفظُ عَن ظهرِ قَلبٍ وجوهَ القذائفْ

وأنتَ ببابِ المشيئةِ واقفْ، وصوتكَ نازفٌ، وصمتكَ نازفْ

تلمُّ الرَصاصَ مِن الصوَّرِ العائليةْ، وتَتبع مسرى الصَواريخِ في لحمِ أشيائكَ المنزليةْ

وتحصي ثقوبَ شَظايا القَنابِل، في جَسدِ الطِفلةِ النائمةْ، وتلثمُ شَمعَ أصابِعها الناعِمةْ

على طرفِ النعشِ، كيفَ تَصوغُ جنونَ المراثي؟، وكيفَ تلمُّ مواعيدَ قتلاكَ في طِرق الوطنِ الغائمةْ؟

وتحضنُ جُثةَ طفلتِكَ النائمةْ؟ أشدُّ مِن الماءِ حُزنا...

وأوضحُ مِن شمسِ تموز، لكنَ نُضجَ السَنابِلْ، يختارُ مِيعادهُ بعدَ عُقمِ الفُصولْ

إذن فالتَمِس في وكالةِ غَوثِكَ شيء مِن الخُبز، وانسَ الإدامَ قليلاً، تحرَّ التقاويم، يوما فيوما

وشهراً فشهرا، وعاماً فعاما، تحرَّ المناخَ المفاجئ، قبلَ انفجارِ نِدائِكَ

أنتَ المُنادِي وأنتَ المُنادَى، وأنت اشتعلتَ، انطفأتَ، ابتدأتَ، انكفأتَ

وأنتَ اكتشفتَ البلادَ، وأنتَ فقدتَ البلادَ.../ أشدُّ مِنَ الماءِ حزنا.

 

الشاعر الفلسطيني محمود درويش

الشاعر الفلسطيني محمود درويش، الأكثر شهرةً بين رفاق النضال، والأكثر تأثيراً في مسيرة القصيدة المقاومة، في الداخل، والشتات، كما أنَّه صاحب فضل في تجديد القصيدة العربية، هو الذي ولد في قرية البروة الفلسطينية عام 1948، وهاجر بلاده صبياً إلى لبنان عام 1948، لكنه عاد متسللاً إليها بعد عام واحد، كما أنَّه سُجن لنشاطه السياسي، والثقافي، ثمَّ غادر للدراسة في روسيا، وتنقل بين عدة دول، من القاهرة، إلى لبنان فترة الحرب الأهلية، ثمَّ فرنسا، حتى وافته المنيَّة في الولايات المتحدة الأمريكية، أثناء إجراء عمل جراحي، في التاسع من آب/أغسطس عام 2008، حيث دُفن في طلة البروة/رام الله، وأقيم له متحف فيها.

قصيدة خطبة الهندي الأحمر لدرويش

من روائع محمود درويش، تأتي قصيدته (خطبة الهندي الأحمر ما قبل الأخيرة أمام الرجل الأبيض) متكاملة في دلالتها على شعره، من حيث أسلوبها الفريد، واستخدام الرموز التاريخية العميقة (كعادته)، فضلاً عن موسيقاها الشعرية الآسرة:

سَيَمْضي زمانٌ طويلٌ ليصبحَ حاضرنا ماضيًا مثْلنا، سَنمْضي إلى حتْفنا أوّلاً،

سنُدافع عن شَجرٍ نَرْتَديه، وَعَنْ جَرَس اللَّيل، عن قمرٍ فوق أكواخنا نشْتهيه

وعن طيشِ غِزلانِنا سَندافعُ، عن طين فخّارِنا سَندُافعُ، وعن ريِشنا في جَناحِ الأغاني الأخيرَةِ.

عمَّا قَليل؛ تُقيمونَ عالمكُمْ فَوْق عالَمِنَا، مِنْ مقابِرِنا تَفْتَحون الطَّرِيق إلى الْقمر الاصطناعيِّ

هذا زمان الصناعاتِ، هَذَا زمانُ المعادن، مِن قطعةِ الفحْم تبزغُ شمْبانيا الأقْوياءْ

هُنالك موْتى ومستوطنات، وموْتى وبولدوزرات، وموْتى ومستشْفيات

وموتى وشاشاتُ رادار ترْصُدُ مَوْتى يعيشون بَعْد الممات، وموْتى يُربّونَ وحْش الحضارات مَوْتا

وموتى يموتون كيْ يَحملوا الأرضَ فوقَ الرُّفاتْ، إلى أيْنَ، يا سيَّدَ البِيض، تأخُذُ شعْبي وشعْبَكْ

إلى أيّ هاويةٍ يأخذُ الأرض هذا الرّوبوتُ المدجّج بالطّائِرَات، وحَامِله الطَّائرات

إلى أيّ هاويةٍ رحبةٍ تَصعَدُون لكم ما تشاؤون: رُوما الجديدة، إسْبارطةُ التكنولوجيا، وأيديولوجيا الجنون.

ونَحنُ، سَنَهْرُبُ من زَمَنٍ لم نُهيّئ لَهُ بَعْدُ هاجسَنَا، سَنَمضى إلى وَطنٍ الطَّير سرباً من البَشَر السّابقينْ

نطلُّ على أَرضنا منْ حصى أرضنا، من ثُقوب الغُيُومْ نطلُّ على أَرْضنا، منْ كلام النُّجوم نُطلُّ على أرضِنَا

منْ هَواء البُحيْرَات، من زغب الذّرة الهَشِّ، مِن زَهْرَة القَبْر، من وَرَقِ الحوْرِ، من كُلّ شَيْء

يحاصِرُكُم أيُّها البيضُ، موتَى يموتون، موتَى يعيشونَ، موتَى يَعودونَ، موتى يبوحُونَ بالسِّر

فلتمهِلوا الأرضَ حَتَّى تقولَ الحقيقةَ، كُلَّ الحَقيقَةِ، عَنْكُم، وَعَنَّا....وَعَنَّا، وَعَنْكُم!

هُنالك مَوْتى ينامونَ في غُرفٍ سَوْفَ تَبْنونَها، هنالك مَوْتى يَزورون ماضَيهُم في المَكان الَّذي تَهْدِمونْ

هنالك مَوتى يمرُّون فَوقَ الجسورِ الَّتي سوفَ تَبْنونَها، هنالِك مَوتى يُضيئون لَيْل الفَراشات، مَوْتَى

يجيئونَ فَجْراً لكي يَشْربُوا شايهم مَعَكُم، هادِئينْ، كما تَرَكَتْهمْ بنادُقكُم

فاتركوا يا ضُيوفَ المَكانْ، مَقاعَد خاليةً للْمُضيفينَ، كي يَقْرأوا عليكُمْ شُروطَ السّلامِ مَعَ المَيّتين!

لحمي على الحيطان لحمُك...!

كمْ كُنْتَ وحدك، يا ابن أُمِّي، يا ابنَ أكثر من أبٍ، كم كُنْتَ وحدكْ

القمحُ مُرُّ في حقول الآخرينْ، والماءُ مالحْ، والغيم فولاذٌ، وهذا النجمُ جارحْ

وعليكَ أنْ تَحيا وأنْ تَحيا، وأن تعطي مقابلَ حبَّةِ الزيتون جِلْدَكْ!، كَمْ كُنْتَ وحدكْ

لا شيءَ يكسرنا فلا تغرقْ تماما، في ما تبقى من دمٍ فينا، لِنَذْهبْ داخلَ الروحِ المحاصرةِ بالتشابهِ، واليتامى

يا ابن الهواء الصَلْبِ، يا ابنَ اللفظةِ الأولى على الجزر القديمةِ، يا ابنَ سيدةِ البحيرات البعيدةِ

يا ابنَ من يحمي القُدامى؛ مِن خطيئتهم , ويطبع فوقَ وجهِ الصَّخر برقاً أو حماما

لحمي على الحيطان لحمُكَ، يا ابنَ أُمِّي

جَسَدٌ لأضربِ الظلالْ، وعليك أن تمشي بلا طُرُقٍ، وراءً، أو أماما, أو جنوباً أو شمالْ

وتحرِّكَ الخطواتِ بالميزانِ، حين يشاءُ مَنْ وهبوك قيدَكْ

ليزيِّنوك ويأخذوكَ إلى المعارض كي يرى الزُوِّار مجدَكْ

كَمْ كنتَ وحدكْ !

 

الشاعر عزالدين مناصرة: بالأخضر كفنَّاه، بالأحمر كفنَّاه

يُعتبر الشاعر عز الدين المناصرة، من أبرز شعراء المقاومة، حيث قدم العديد من القصائد، التي تحولت إلى أناشيد، يرددها المناضلون، أبرزها قصيدته (بالأخضر كفنَّاه) التي لحَّنها وغنَّاها مارسيل خليفة:

يا أُمِّي تأخذني عيناكِ إلى أين؟

بالأخضرِ كفنَّاهُ، بالأحمرِ كفنَّاهُ، بالأبيضِ كفنَّاهُ، بالأسودِ كفنَّاهْ

بالمُثلث والمستطيلْ، بأسانا الطويلْ، نزف المطر على شجر الأرزْ المتشابك بين الأخويْنْ

وازدحمتْ في الساحاتِ طيورُ البينْ، ثمَّ حملناهُ على الأكتافْ، بكتْ المُزْنُ البيضاءُ بدمعٍ شفَّافْ

 دمُهُ أخضرُ (ثمَّ أُغيّرُ قافيتي)، زغردَ سربُ حمامْ، والبدوية تنتظر حبيباً، سيزور الشام.

بالأخضرِ كفنَّاهُ، بالأبيضِ كفنَّاهُ، بالأسود كفنّاه

يا أُمّي تأخذني عيناكِ إلى أينْ؟

 كان خليلياً من صيدونْ، حِمصياً من حبرونْ، بصرياً من عمَّان

وصعيدياً من بغدادَ، جليلياً من حورانْ، كان رباطياً من وهران.

مطرٌ في العينينِ، وتحت القلب دفنَّاهْ/ عشبٌ في الرمل، وفوق القلب رخامْ.

بالأخضر كفنَّاهُ، بالأحمر كفنَّاه.

والبدويةُ تنتظر حبيباً، سيزورُ الشام الأُمويَّة، كيف رحلتَ ولم تقرأ موتكَ في المدن الفضيَّة.

ختاماً... ما تزال فلسطين ولَّادة، حيث لم يتوقف نبض الأدب المقاوم يوماً، على الرغم من تذبذب المقاومة المسلحة، وتأرجح السياسة وأهلها، إلا أنَّ القلم ثابت ما يزال، وفيه ما فيه من دموعٍ وغضب.

 

ما هو الأثر الذي تركته نكبة عام 1948، ونكسة عام 1967 في الوجدان العربي؟

أقل ما يمكن قوله، أنَّ احتلال فلسطين عام 1948، بمرحلتيه، شكَّلَ خيبةً كبيرةً للمواطن العربي، أدَّت إلى صمتٍ مخيفٍ من قِبل المثقفين في بادئ الأمر، حيث لم يكن أحد قادر على استيعاب انكسار الجيوش العربية على أبواب فلسطين، لكن هذا الصمت، ما لبث أن تحول إلى صراخٍ ملأ العالَم، شِعراً، وأدباً،  فأصبحت القضية الفلسطينية من أولى اهتمامات الشِعر الملتزم، حتى الفنون الشعبية كان لها دور كبير، حيث تحولت أعراس الفلسطينيين إلى مظاهرات ضد الاحتلال، فتحولتْ أغاني الفرح، إلى أغنيات مقاومة.

أما الضربة الكبرى التي تلقاها العرب في تاريخهم الحديث، كانت مع توسع الاحتلال الإسرائيلي، باتجاه الضفة الغربية لنهر الأردن، وسيناء المصرية، والجولان السوري، ما عُرف لاحقاً بنكسة عام 1967، حيث أحدثت النكسة تحولات كبيرة في الأدب العربي، وأماطت اللثام عن شعراء كبار، كانت لهم توجهات أخرى، أمثال الشاعر المصري أحمد فؤاد النجم، الذي اتجه بكُلِّيته إلى الشِعر السياسي بعد النكسة، كذلك الشاعر السوري نزار قباني، الذي ألَّف قصائد كثيرة في النكسة، لكن الكلمة الفصل، كانت لشعراءِ الأرض المحتلة، فضلاً عن ولادةِ أبرز الرموز الفلسطينية، مثل شخصية حنظلة الكاريكاتيرية، للرسام الفلسطيني ناجي العلي، كما تعتبر مرحلة ما بعد النكسة، هي الولادة الفعلية للمقاومة الفلسطينية المسلحة (الكفاح المُسلَّح)، التي بدأت قبل النكسة، وتبلورت بعدها.

 

غاب المثقفون عن مشهد النكبة حتى عام 1952

يرتبط مفهوم أدب المقاومة، أو المثقف المقاوم، بما يسمى (عصر النهضة العربية)، أواخر الحكم العثماني في نهاية القرن التاسع عشر، وما تلاه من فترة الانتداب الفرنسي، والانجليزي، وهي الفترة التي شهدت مخاض الدولة العبرية، حيث برز تيار مقاوم للاستعمار في الأدب العربي، لكن جذوته خمدت مع نكبة العام 1948، ونذكر من هذه المرحلة، الشيخ عبد الرحمن الكواكبي، في كتابه طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد، الذي ربط فيه الاستعمار، بالحكم المستبد، كذلك الشاعر إبراهيم اليازجي، صاحب الصرخة الشهيرة (تَنبَّهوا واستَفيقوا أيُّها العربُ فقد طمَى الخَطبُ حتى غَاصتْ الرُكَبُ) كما نذكر الشاعر الفلسطيني إبراهيم طوقان، الذي توفي عام 1941 عن ستة ثلاثين عاماً، لكنه رصد زرع بذور الدولة العبرية في رحم الأرض المحتلة، وقدم قصيدته النبوءة:

لا تَسلْ عن سلامتِهْ روحه فوق راحتِهْ/ بدَّلَتْهُ همومُهُ كفناً من وسادِتهْ

يَرقبُ الساعةَ التي بعدَها هولُ ساعتِهْ/ شاغلاً فكرَ مَنْ يراهُ بإطراقِ هامتِهْ

بيْنَ جنبيْهِ خافقٌ يتلظَّى بغايتهْ/ من رأى فَحْمةَ الدُّجى أُضْرِمَتْ من شرارتِهْ

حَمَّلَتْهُ جهنَّمٌ طَرفَاً من رسالتِه

صدمة شعراء الأرض المحتلة

يقول غسان كنفاني، في كتابه (أدب المقاومة في فلسطين 1948-1966)، فيما يتعلق بحركة الإنتاج الثقافي في الأرض المحتلة بعد النكبة:

"في السنوات الأولى لقيام (إسرائيل)، لم يُنشر سوى شِعر غرامي، ولم يلقى أي تجاوب من جهة الجمهور، وظل كاسداً، كانت هناك محاولة منذ البدء لتحويل الأنظار إلى هذا النوع من الشِعر، ومعظم ما نُشر كان ركيكاً، وتافهاً شكلاً، ومضموناً، ولكن قدوم عام 1952 بثورة تموز/يوليو المصرية أحدث الهزة المرتقبة"

يسترسل كنفاني في وصف هذه المرحلة، لكن القصد أنَّ الحركة الأدبية والشعرية في الأرض المحتلة، أصيبت بما يشبه الشلل في السنوات الأولى للاحتلال؛ من جهة كانت الصدمة ثقيلةً على النفوس، ومن جهة ثانية كانت سلطات الاحتلال قد أحكمت قبضتها على موارد الحياة الثقافية في الأرض المحتلة، لكن الثورة المصرية، إضافة إلى انتصار الثورة الجزائرية عام 1962، ثم نكسة العام 1967، وظهور المناضلين الأمميين، أمثال تشي جيفارا؛ كلُّها أحدثت نقلة نوعية في وعي مثقفي الأرض المحتلة بواقعهم، فدخل أدب المقاومة في مرحلة جديدة، ما زالت مستمرة.