;

للأماكن التي صنعتنا

للأماكن التي صنعتنا

  • Tarek Kurdalibronzeبواسطة: Tarek Kurdali تاريخ النشر: منذ ساعة زمن القراءة: دقيقتين قراءة
للأماكن التي صنعتنا

بين ثلاث أرضين و قلب واحد!

يقولون إنَّ المكان بالسُّكَّان، وهي عبارة تحمل كثيراً من الحقيقة. فالمدن لا تُعرَف بأبنيتها وشوارعها بقدر ما تُعرَف بأهلها وأثرهم فيمن مرَّ بها. لكن ماذا لو كان المكان أكثر من بقعةٍ يسكنها الناس؟ ماذا لو كان في حياة الإنسان مولداً، وموطناً، ومعاشاً؟

المولد هو أوَّل صفحةٍ في كتاب العمر، هناك تبدأ الحكاية، وتتشكَّل الذكريات الأولى، وتُرسَم ملامح طفولةٍ تبقى ساكنةً في الأعماق مهما تغيَّرت السنوات. قد نغادره يوماً، وقد تأخذنا الحياة بعيداً عنه، لكنَّ شيئاً منه يظلُّ فينا دائماً، كأنَّه طُبع في أوَّل طبقات الرُّوح. فبعض الأماكن لا نسكنها، بل تسكننا، وتبقى تفاصيلها الصغيرة حاضرةً في ذاكرتنا مهما تبدَّلت الوجوه وتغيَّرت العناوين.

أمَّا الموطن، فمعنىً يتجاوز الجغرافيا. ليس أرضاً نحمل اسمها في الوثائق فحسب، بل مكاناً نشعر أنَّه امتدادٌ لهويَّتنا وذاكرتنا الجمعيَّة والقيم التي نشأنا عليها. قد يولد الإنسان بعيداً عن موطنه، وقد يعيش معظم عمره خارجه، لكنَّه يبقى يُحسُّ بخيطٍ خفيٍّ يربطه به، لا تقطعه المسافات ولا تبدِّله السنوات. فالموطن ليس دائماً المكان الذي عشنا فيه أطول عمرنا، بل المكان الذي نسكنه في وجداننا، ونحمل شيئاً منه أينما ذهبنا.

ثمَّ يأتي المعاش، المكان الذي منح الإنسان فرصة البناء والسعي وتحقيق ما حُلِم به. هو الأرض التي احتضنت جهده، وشهدت نجاحاته وإخفاقاته على حدٍّ سواء، وفتحت أمامه أبواباً لم يكن يتخيَّلها. والارتباط بهذا المكان من طبيعةٍ مختلفة؛ فهو لا يقوم على الحنين وحده، ولا على الانتماء فقط، بل يُضاف إليهما شعورٌ عميق بالامتنان. امتنانٌ لأرضٍ أتاحت لك أن تتعلَّم، وتعمل، وتنمو، وأن تصبح نسخةً أفضل من نفسك.

وحين تجتمع هذه الثلاثة في أرضٍ واحدة، يصبح حبُّها أمراً بديهيّاً. أمَّا حين تتفرَّق، كما يحدث لكثيرين، يبدأ القلب بتوزيع مشاعره بينها جميعاً؛ فيشتاق إلى المولد، وينتمي إلى الموطن، ويمتنُّ للمعاش. وليس في ذلك تناقض، بل هو اتِّساعٌ طبيعيٌّ للقلب الإنساني الذي لا تضيق به الأوطان مهما تعدَّدت.

فالإنسان لا يحبُّ الأماكن لذاتها فحسب، بل لما تمثِّله في رحلته. هناك أماكن أحبَّها لأنَّها شهدت بداياته، وأخرى لأنَّها تحمل جزءاً من هويَّته، وثالثة لأنَّها منحته فرصة بناء حياته وصناعة أثره. ولهذا قد يتَّسع القلب لأكثر من أرضٍ دون أن ينقسم. فليست كلُّ محبَّةٍ منافسةً لأخرى، بل لكلِّ أرضٍ فضلها، ولكلِّ مكانٍ أثره، ولكلِّ مرحلةٍ عنوانها.

وبعض الناس يملكون حظّاً نادراً بأن يجدوا المولد والموطن والمعاش في مكانٍ واحد، أمَّا البقيَّة فيحملون أوطانهم معهم أينما ذهبوا، ويكتشفون مع الزمن أنَّ القلب ليس مستودعاً للذكريات فحسب، بل وعاءٌ للانتماءات أيضاً، و حينها لا يصبح أكثر انقساماً، بل أكثر اكتمالاً.

اشترك في قناة رائج على واتس آب لمتعة الترفيه
  • المحتوى الذي تستمتع به هنا يمثل رأي المساهم وليس بالضرورة رأي الناشر. يحتفظ الناشر بالحق في عدم نشر المحتوى.

    Tarek Kurdali bronze

    الكاتب Tarek Kurdali

    أنا ابنُ دمشق وأحدُ الذين صنعتهم المدن، والتجارب، والأسواق، وثقل المسؤوليات. صُنعت معظم رحلتي المهنية في الإمارات والخليج، حيث تعلّمت أن النمو لا تصنعه الفرص وحدها، بل القدرة على التكيّف، والاستمرار، وبناء الأثر. أبٌ لابنتين، وقائد أعمال وباحث دائم عن المستقبل من أبواب متعددة: الاستراتيجية، والإنسان، والمعرفة، والتحوّل. أمضيت أكثر من 16 عاماً في قيادة الأعمال وبناء الأسواق داخل بيئات عالية التنظيم، لكن أكثر ما أثار فضولي لم يكن السوق وحده، بل الإنسان خلف القرار. أؤمن أن بعض الأفكار قد تغيّر مساراً كاملاً حين تصل في الوقت المناسب و النجاح الحقيقي بما نتركه بعدنا: فكرة نافعة، أثر صادق أو إنسان استطاع أن يبدأ بشكل أفضل. أما الغاية، فهي أن يبقى بعد الرحلة شيءٌ ذو قيمة.

    image UGC

    هل لديكم شغف للكتابة وتريدون نشر محتواكم على منصة نشر معروفة؟ اضغطوا هنا وسجلوا الآن !

    انضموا إلينا مجاناً!