;

كيف يخلق الدماغ الشعور “بالألفة” من لا شيء؟

  • تاريخ النشر: السبت، 28 مارس 2026 زمن القراءة: دقيقتين قراءة آخر تحديث: الإثنين، 27 أبريل 2026
كيف يخلق الدماغ الشعور “بالألفة” من لا شيء؟

يُفاجئنا أحياناً شعورٌ غامض بالألفة تجاه مكانٍ لم نزره من قبل، أو شخصٍ نلتقيه للمرّة الأولى، وكأنّ الذاكرة تسبق التجربة. ولا ينبع هذا الإحساس من فراغٍ حقيقيّ، بل يتشكّل داخل الدماغ عبر آليّاتٍ دقيقة تعيد تركيب الخبرات السابقة في صورةٍ جديدة. وهكذا، يصنع العقل إحساساً بالألفة يبدو تلقائيّاً، بينما هو في جوهره نتيجة تفاعلٍ معقّد بين الذاكرة والإدراك.

كيف يعيد الدماغ تركيب الخبرات السابقة؟

يخزّن الدماغ تفاصيل الحياة على هيئة أنماطٍ متشابكة، تشمل الأصوات والوجوه والروائح والمشاعر. وعندما يواجه موقفاً جديداً، يبدأ في البحث عن تشابهاتٍ جزئيّة مع ما سبق أن مرّ به، حتى لو كانت هذه التشابهات دقيقة أو غير واعية. ومن خلال هذا الربط السريع، يخلق إحساساً بأنّ التجربة مألوفة، رغم أنّها في ظاهرها جديدة تماماً.

ما دور الذاكرة الضمنية في توليد هذا الشعور؟

تعمل الذاكرة الضمنيّة في الخلفيّة دون تدخّلٍ واعٍ، فتؤثّر في ردود أفعالنا وتقييمنا للأشياء. وقد يرتبط شعور الألفة بتجربةٍ قديمة لم نعد نتذكّرها بوضوح، لكن أثرها ما زال حاضراً. وعندما تتشابه الظروف الحالية مع تلك التجربة، ولو بشكلٍ بسيط، يُستدعى هذا الإحساس تلقائيّاً، فنشعر بالراحة دون أن نعرف السبب.

كيف يساهم التنبؤ في خلق الإحساس بالألفة؟

لا يكتفي الدماغ باستقبال المعلومات، بل يحاول توقّع ما سيحدث لاحقاً. وعندما تتوافق توقّعاته مع الواقع، ينشأ شعورٌ بالانسجام والألفة، لأن التجربة تسير وفق نمطٍ يمكن فهمه. أمّا إذا خالفت التوقّعات، فيظهر الإحساس بالغرابة أو التوتّر. ومن هنا، تصبح الألفة نتيجة نجاح الدماغ في التنبؤ، لا مجرد تذكّر مباشر.

لماذا نشعر بالألفة تجاه أشخاص لم نلتقِ بهم من قبل؟

يرتبط هذا الشعور غالباً بملامح أو سلوكيات تشبه أشخاصاً نعرفهم سابقاً، حتى لو لم ندرك ذلك بوعي. فقد تذكّرنا طريقة الحديث أو تعبيرات الوجه بشخصٍ مألوف، فينقل الدماغ هذا الإحساس إلى التجربة الجديدة. وبهذا، لا تكون الألفة موجّهة إلى الشخص ذاته، بل إلى صورةٍ ذهنيّةٍ مخزّنة يُعاد إسقاطها عليه.

هل يمكن أن تكون الألفة مضللة أحيانًا؟

قد يمنحنا هذا الشعور إحساساً زائفاً بالأمان، فنثق بأماكن أو أشخاص بسرعةٍ أكبر ممّا ينبغي. ويرجع ذلك إلى أنّ الدماغ يعتمد على اختصاراتٍ ذهنيّة تسهّل اتخاذ القرار، لكنها لا تكون دقيقة دائماً. لذلك، يصبح من المهمّ التمييز بين الألفة الحقيقيّة المبنيّة على تجربة، وتلك التي يصنعها العقل استناداً إلى تشابهاتٍ سطحيّة.

خاتمة
يكشف الشعور بالألفة أنّ الدماغ لا يكتفي بتسجيل الواقع، بل يعيد تشكيله باستمرار وفق خبراته السابقة وتوقّعاته. وعندما نفهم هذه الآليّات، ندرك أنّ ما يبدو إحساساً بسيطاً يحمل في داخله تعقيداً معرفيّاً عميقاً. وهكذا، تتحوّل الألفة من شعورٍ عابر إلى نافذةٍ لفهم طريقة عمل العقل في تفسير العالم من حولنا.

اشترك في قناة رائج على واتس آب لمتعة الترفيه