;

لماذا يفضّل جيل Z “الوظائف الهادئة” وليس المناصب القيادية؟

  • تاريخ النشر: الأحد، 15 فبراير 2026 زمن القراءة: 4 دقائق قراءة آخر تحديث: منذ يومين
لماذا يفضّل جيل Z “الوظائف الهادئة” وليس المناصب القيادية؟

في السنوات الأخيرة، ظهر اتجاه واضح بين أبناء جيل Z نحو ما يُعرف بـ"الوظائف الهادئة" — أي الأدوار المستقرة التي لا تتضمن مسؤوليات قيادية ثقيلة أو ضغوط إدارية كبيرة. هذا التحول أثار تساؤلات في بيئات العمل التقليدية: لماذا يبتعد شباب اليوم عن المناصب القيادية التي كان يُنظر إليها سابقًا كقمة النجاح المهني؟

الإجابة ليست بسيطة، لكنها ترتبط بتغيّرات عميقة في القيم، وتصورات النجاح، وشكل سوق العمل نفسه.

إعادة تعريف مفهوم النجاح

بالنسبة لأجيال سابقة، كان النجاح يعني منصبًا أعلى، راتبًا أكبر، وسلطة أوسع. لكن جيل Z — المولود تقريبًا بين منتصف التسعينيات وبداية 2010 — يعيد صياغة المعادلة.
النجاح بالنسبة له لا يُقاس فقط بالترقية، بل بالتوازن بين الحياة والعمل، والصحة النفسية، وحرية الوقت.

هذا الجيل نشأ في عالم سريع التغير، مليء بالأزمات الاقتصادية والتحولات الرقمية. شاهدوا آباءهم يعملون لساعات طويلة مقابل استقرار لم يعد مضمونًا. لذلك، لم تعد “الترقية” حلمًا مطلقًا، بل قرارًا يحتاج إلى حسابات دقيقة:
هل تستحق الضغوط الإضافية؟
هل ستؤثر على حياتي الشخصية؟

الإرهاق الوظيفي المبكر

جيل Z دخل سوق العمل في بيئة مشحونة بالتوقعات العالية والمنافسة الشرسة. ثقافة الإنتاجية المستمرة، والاجتماعات المتتالية، والعمل عن بُعد الذي ألغى الحدود بين المكتب والمنزل، كلها عوامل ساهمت في زيادة الإرهاق الوظيفي.

كثير منهم يرى أن المناصب القيادية تعني ضغطًا دائمًا، ومسؤولية عن أخطاء الفريق، وتواجدًا مستمرًا على مدار الساعة. في المقابل، الوظيفة “الهادئة” توفر دخلًا ثابتًا دون استنزاف نفسي يومي.

بالنسبة لهم، الراحة النفسية ليست رفاهية… بل أولوية.

تأثير ثقافة “العمل بذكاء لا بجهد

وسائل التواصل الاجتماعي لعبت دورًا مهمًا في هذا التحول. منصات مثل TikTok وLinkedIn أصبحت مليئة بمحتوى يناقش مفاهيم مثل “العمل الذكي”، و"الحد الأدنى من الجهد مقابل أعلى عائد"، ورفض ثقافة “الانشغال الدائم”.

جيل Z يتعرض يوميًا لنصائح حول أهمية وضع حدود واضحة مع العمل، وعدم التضحية بالصحة أو العلاقات من أجل لقب إداري. هذا الخطاب عزز قناعة لديهم بأن المناصب القيادية ليست الطريق الوحيد لتحقيق الذات.

فقدان الثقة في الهيكل الإداري التقليدي

القيادة في الشركات التقليدية غالبًا ما ترتبط بالبيروقراطية، والقرارات المعقدة، والسياسة الداخلية. جيل Z يميل إلى الشفافية والمرونة، ويفضّل العمل في بيئات أفقية أكثر من الهياكل الهرمية الصارمة.

الكثير منهم يرى أن القيادة تعني الانخراط في صراعات إدارية أكثر من كونها إبداعًا أو تأثيرًا حقيقيًا. لذلك، يختارون أدوارًا تنفيذية متخصصة يمكنهم من خلالها تطوير مهاراتهم دون الدخول في متاهة الإدارة.

التركيز على التخصص لا السلطة

جيل Z يميل إلى بناء هوية مهنية قائمة على المهارة، لا على المنصب. مطور بارع، مصمم مبدع، محلل بيانات متميز — هذه الألقاب تعني لهم أكثر من “مدير قسم”.

في عالم يعتمد بشكل متزايد على الاقتصاد الرقمي والعمل الحر، أصبح بالإمكان تحقيق دخل مرتفع وتأثير واسع دون الحاجة إلى إدارة فريق كبير. المنصات الرقمية أتاحت فرصًا لبناء سمعة شخصية قوية بعيدًا عن المسار الإداري التقليدي.

الخوف من المسؤولية القانونية والضغط المجتمعي

القيادة اليوم لا تعني فقط إدارة مهام، بل التعامل مع أزمات، شكاوى، قضايا حساسة، وأحيانًا مسؤوليات قانونية. جيل Z، الذي نشأ في بيئة رقمية توثق كل شيء، يدرك أن أي خطأ إداري قد يتحول إلى أزمة علنية.

لذلك، يفضل البعض تجنب المناصب التي تضعهم تحت مجهر دائم، خاصة في عصر يمكن أن تنتشر فيه قصة سلبية خلال ساعات.

هل هذا يعني أنهم يرفضون القيادة تمامًا؟

ليس بالضرورة. جيل Z لا يرفض القيادة بحد ذاتها، بل يرفض نموذج القيادة التقليدي القائم على السيطرة والضغط المستمر.
هم يفضلون:

  • القيادة التعاونية
  • العمل القائم على النتائج لا عدد الساعات
  • المرونة في اتخاذ القرار
  • بيئة تحترم الصحة النفسية

إذا توفرت هذه الشروط، فهم مستعدون لتحمل المسؤولية. لكنهم لن يقبلوها بأي ثمن.

تحوّل طويل المدى أم مرحلة مؤقتة؟

يبقى السؤال: هل هذا التوجه دائم؟
من المحتمل أن يتغير مع مرور الوقت واكتساب الخبرة. لكن من المؤكد أن جيل Z يعيد تشكيل ثقافة العمل بطريقة ستؤثر على الشركات لسنوات قادمة.

المؤسسات التي ترغب في جذبهم إلى المناصب القيادية قد تحتاج إلى إعادة تعريف القيادة نفسها — من سلطة وضغط إلى تمكين وتوازن.

في النهاية، تفضيل “الوظائف الهادئة” ليس هروبًا من الطموح، بل إعادة تعريف له.
جيل Z لا يريد أن يكون مديرًا فقط
بل يريد أن يكون ناجحًا دون أن يدفع ثمنًا نفسيًا باهظًا

اشترك في قناة رائج على واتس آب لمتعة الترفيه