;

ما هو عالَم الجنِّ في الإسلام؟

  • بواسطة: بابونج تاريخ النشر: الأحد، 24 نوفمبر 2019 آخر تحديث: الأحد، 06 فبراير 2022
ما هو عالَم الجنِّ في الإسلام؟

يُعتبر عالم الجنِّ من أكثر المواضيع التي تشغل بال الناس، كما يَستغلُ البعض غموض هذا الموضوع، وعدم التمكن من رصده بشكل محسوس، ليقوموا بأعمال الدجل والشعوذة، بقصد الربح المادي، فما هي حقيقة عالم الجنِّ، وهل الجنُّ من جنس الملائكة؟ أم أنَّهم من جنس البشر؟ أم هم جنسٌ مستقل بذاته؟ هذا ما سنحاول الإجابة عنه وفق ما ذكرته الكتب والمراجع الموثوقة.

ما هو الجن؟

لا يصح الاستدلال على تعريفِ الجنِّ من غير المصادر الموثوقة، لا يُعرف تاريخ دقيق لمعرفة الإنسان بوجود عالمٍ موازٍ لعالمه، أي عالم الجنِّ، لكنَّ ذكر هذا العالم يرجع إلى آلاف السنين، وهو موجود في الأساطير، والقصص الشعبية، إلَّا أنَّنا في مقامنا هذا، نستند إلى القرآن الكريم لنستدل على ثبوت وجود هذا العالم وبعض خصائصه، بما لا يدع المجال للشك في هذه الخصائص، وإنْ اختلف التفسير أحياناً، لكن ذكر الجنِّ في القرآن يجعل من وجودهم أمراً واقعاً، يؤمن به المسلمون كإيمانهم بالقرآن الكريم نفسه.

أما عن التعريف، فيذكر الدكتور عمر سليمان الأشقر في كتابه (عالم الجنِّ والشيطان): أنَّ عالم الجنِّ هو عالم مغاير لعالم الإنسان، مغاير أيضاً لعالم الملائكة، كما أنَّ بين الجنِّ والإنسان قَدَرٌ مشترك، من حيث الاتصاف بصفة العقل والإدراك، ومن حيث القدرة على اختيار طريق الخير والشرِّ، ويخالفون الإنسان في أمور أهمها أنَّ أصل الجنِّ مخالفٌ لأصل الإنسان، أما اسمهم (الجنّ)، أتى من الاجتنان، أي استتارهم عن العيون بحسب المرجع السابق، ويستدل الدكتور الأشقر على استتار الجن من قوله تعالى في القرآن الكريم، في الآية 27 من سورة الأعراف:

"إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ "

يذكر القرآن الكريم وجود الجنِّ في أكثر من موقع

يذكر الله تبارك وتعالى في كتابه العزيز أصل خلق الجنِّ، وأسبقيته على خلق الإنسان، فالإنسان المخلوق من صلصال، جاء خلقه بعد خلق الجنِّ من النار، وذلك في قوله تعالى في سورة الحجر، الآية 26-27:

"وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ، وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السَّمُومِ"

واختلف المفسرون في تفسير كلمة (السموم)، فهي إما أطراف اللهب، وإما ما فيه سموم قاتلة، كما أنَّ لا دليلاً على وقت خلق الجنِّ، إنَّما الإشارة الوحيدة المتعلقة بزمان خلقه، هي هذه، أي أنَّه خُلق قبل الإنسان، ومن مادة مغايرة لمادة الإنسان، وهي الطين، كما جاء في سورة الرحمن، الآيات من 14 إلى 16:

"خَلَقَ الْإِنسَانَ مِن صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (14) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ (15) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (16)"

هل الجنُّ مؤمنون أم كافرون؟

كما يظهر الله تعالى أنَّ الجنَّ والإنس اشتركوا في معرفة الله، والإيمان به، أو الكفر به، فليسوا في ذلك كالملائكة (مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ) سورة الحجر الآية 7، بل إنَّ الجنَّ تعرفوا على القرآن الكريم كما تعرَّف عليه الإنس، وآمن منهم من آمن، وكفر منهم من كفر، كما نرى في قوله تعالى في الآيات الأولى من سورة الجنِّ، التي أفردها الله تعالى للحديث عن الجنِّ:

"قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَباً (1) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَداً (2) وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَداً (3) وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطاً (4) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَن لَّن تَقُولَ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِباً (5) وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً (6) وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَداً (7)"

وفي الآيات الكريمة المذكورة دلالة أيضاً على معرفة الإنسان بالجنِّ قبل القرآن الكريم (وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ)، على أنَّه لا يوجد ما يحدد تاريخ هذه المعرفة بالضبط، كما أن من السورة نفسها ما ينفي عن الجنِّ علمهم بالغيب، إلا ما شاء الله عزَّ وجل، كما جاء في الآيات:

"عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً (27) لِّيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً (28)"

وللجنِّ رسلهم كما للإنس

كما علَّمنا الله تعالى من علمه أنَّ للجنِّ رسلهم كما للأنس، أنذروهم، وحقَّ عليهم ثواب الله وعذابه، هذا ما جاء في سورة الأنعام، الآية 130، من القرآن الكريم:

"يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ"

دلائل أخرى على طبيعة الجنّ من القرآن الكريم

إبليس من الجنِّ

كان إبليس من الجنِّ، الذين أسكنهم الله في الجنَّة، لكنَّه عصى ربَّه فأنزله الأرض عدواً للإنسان، فيقول الله تعالى في سورة الكهف الآية 50:

"وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلا"

الجنُّ قادرون على سماع صوت الإنسان

يسمعون صوت الإنسان، ويفهمون ما يقول، كما أنَّ لهم من الضلال والهدى ما للإنسان منهما، وعليهم تكليف الإيمان بالله وثوابه، كذلك من لم يؤمن منهم، فهو في ضلالٍ مبين، كما أنَّ سيدنا محمد(ص) إنَّما جاء نذيراً للجنِّ والإنس معاً، ذلك ما نستدل عليه (والله أعلم) من قوله تعالى في سورة الأحقاف، الآيات 29-32:

"وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ (29) قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ (30) يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (31) وَمَن لَّا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولئِكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (32)"

الجنِّ والإنسان خلقوا للعبادة

وفي نفس السياق؛ فإنَّ الجنَّ مسخَّرون للعبادة، كما جاء في قوله تعالى في الذَّاريات، الآية 56:

"وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (55) وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ (57) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ"

الشرك بالله وعبادة الجنِّ

كما نجد إشارة إلى وجود من أشركَ بالله الجنَّ، كما جاء في القرآن الكريم، سورة الأنعام الآية 100:

"وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ (100)"

كذلك الأمر في سورة الصافات في الآيات 158-160:

"وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ (158) سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (159) إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (160)"

الجنُّ والإنسان في القرآن الكريم

إذاً؛ فالجنُّ مخلوقٌ من مخلوقات الله، عليه حسابه وعقابه وله منه ثوابه، حيث أنَّ له مقاعد في الجنَّة، ومطارح في النار، هذا ما نستدل عليه من الآيات الكريمة التالية، والله أعلم:

سورة الأنعام

"وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُم مِّنَ الْإِنسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُم مِّنَ الْإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (128) وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (129)"

سورة الأعراف

"قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِّنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِن لَّا تَعْلَمُونَ (38)"

سورة السجدة

"وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (13)"

سورة سبأ

"فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ (14)" (وهنا إشارة أخرى لعدم علم الجن بالغيب حالهم حال الإنسان)

"وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (40) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِم بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ (41) فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَّفْعًا وَلَا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ (42)"

سورة الجنّ

والكلام فيها على لسان الجنِّ، وفيه دليل على مكوث الجنِّ في النار، أو في الجنَّة بأعمالهم، واختلاف إيمانهم فيما بينهم:

"وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا (10) وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا (11) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَن لَّن نُّعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَن نُّعْجِزَهُ هَرَبًا (12) وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا (13) وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا (14) وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (15) وَأَن لَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقًا (16)"

ما هي أنواع الجنّ؟

عن أبي ثعلبة الخشني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الجنُّ ثلاثة ُأصنافٍ؛ لهم أجنحةٌ يطيرون بها في الهواء، وصنفٌ حيَّاتٌ (وقيل حيَّاتٌ وعقارب)، وصنفٌ يحلون ويظعنون"، وأورده بكر الخرائطي في هواتف الجنان، كما أورده الترمذي في نوادر الأصول عن أبي الدرداء بنفس المعنى.

ولا نعرف تقسيماً للجنِّ، أو صفاتاً لهم، غير ما ذكر الحديث النبوي السابق، وغير ما جاء في القرآن الكريم، لذلك فالجنُّ كما جاء في الحديث ثلاثة، مقسمة حول طبيعة وجودها في الحياة، منها الطائر، والزاحف، ومنها ما هو قريب من هيئة الإنسان، لكننا نؤكد ما أوردناه سابقاً بعدم قدرة الإنسان على رؤية الجنِّ، إلا ما شاء الله، فإذا كانت هذه أصناف الجنِّ، فما هي العفاريت والشياطين؟ وما الفرق بينها؟.

الاختلافات بين الجنِّ والعفريت والشيطان هي اختلافات في اللغة وصفاتها

تدور على ألسنة الناس عشرات الأسماء للجن، فقالوا الأحمر، الأزرق، وقالوا الضوئي والناري، ثم قالوا الخبيث، والحميد، أما البشر فلا يعلمون إلا ما علَّمهم الله من علمه، في مُحكَم كتابه وسنة نبيِّه، وما جاء في الكتاب الكريم والسُّنة النبوية الشريفة، فقد ذكرناه كلَّه أو معظمه، أما ما اختلفت به الألسن، إما ابتداع وخرافات لا أساس لها في النص ولا عند جمهور العلماء، وإما أنَّها اختلاف بوصف اللغة، أما الخرافات فإننا لا نذكرها، وأما اختلافات اللغة، فهي على ثلاثة أوجه أساسية، ما قيل في الجنِّ، والشيطانِ، والعفريت، كما سنستخدم معجماً واحداً هو مختار الصحاح للرازي، لاتفاقه مع معظم المعاجم في المعنى الذي أتى به.

معنى الجنِّ في اللغة

جاء في مختار الصحاح لأبي بكرٍ الرازي، أنَّ الجنَّ ضدُّ الإنس، والواحد منها جنيٌّ، وقيل أنَّها سمِّيت بذلك لأنَّها تُتقى ولا تُرى، وأجنَّ الشيءَ في صدره أي أكنَّه، واستجنَّ بجُنَّةٍ (بضم الجيم) أي استتر بسترٍ، والجانُ أبو الجنِّ، والجانُ أيضاً حيَّة بيضاء، كما أنَّ الجَنَّة هي البستان، وأرضٌ مَجَنَّة أي فيها من الجنِّ (علماً أن بعض العرب يقولون للمقبرة مَجَنَّة).

معنى الشيطان في اللغة

ذكر مختار الصحاح أنَّ كل عاتٍ، متمرِّدٍ من الإنس، والجنِّ، والدواب هو شيطان، والعرب تسمِّي الحيَّة شيطاناً، فكل ما كان من الجنِّ متمرداً على الله هو شيطان، ومنهم إبليس الذي استكبر، وفي ذلك قوله تعالى في سورة البقرة، الآيات 34-36:

"وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (34) وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (35) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ"

كذلك تتوضح صفة الشيطان على بعض الجنِّ والإنس على حد سواء، من قوله تعالى في سورة الأنعام، الآية 112:

"وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ"

معنى العفريت في اللغة

والعِفريتُ في المختار من (العَفرُ)، والعِفرةُ هو الخنزير الذكر، تقال أيضاً للرجل الخبيث الداهي، وللمرأة يقال عِفرةٌ، وهي الداهية الخبيثة، والعِفريت هو المبالغ من كل شيء، وقد ذكر القرآن العِفريت في قوله تعالى من سورة النمل، الآية 39:

" قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ"

فالعفريت إذاً صفة من صفات الجنِّ والبشر، فهي صفةٌ من اللغة، لا اختصاص لها بالجنس، أو النوع.

ما معنى المارد؟

كما جاء في مختار الصحاح، يقال رملةٌ مرداء، أي لا نبات فيها، ويقال غلامٌ أمرد، أما (المارِدُ) هو العاتي، وجاء القرآن الكريم على ذكر المارد في سورة الصافات، في الآية السابعة:

" إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (6) وَحِفْظاً مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ (7)"

فالمارد أيضاً صفةٌ وليست جنساً، وإذا نظرنا في الآية الأخيرة، وجدنا صفتان لنفس الموصوف، (شيطانٌ مارد)، ما انطبق عليه صفات الشياطين، والمَرَدة من الجنِّ، فالجِنُّ هو الجنس، وما عداه صفة الجنيِّ.

الغول والخُبَّل نوعان من أنواع الجنِّ ذكرتهما أغلب المراجع

يفرق الدكتور عبد الكريم نوفان عبيدات بين الغول والخُبَّل في كتابه (عالم الجنِّ في ضوء الكتاب والسُّنة)، فلكلٍّ من الصنفين مميزات، تجعله مختلف عن الآخر..

ما هو الغول؟

يقول الدكتور عبيدات في المرجع السابق:

"وقد قيل إنَّه ساحر الجنِّ، قال عليه الصلاة والسلام: (إذا تغولت لكم الغيلان فنادوا بالأذان)، يعني: إذا ضلوا وشبهت عليهم الغول الطريق أذَّنوا فذهبت الغيلان، وتغوَّلت: صارت غولاً، وذلك لأنَّها تتصور بصوَّر كثيرة، فمرة تتصور في صورة امرأة جميلة، وأخرى في صورة امرأة قبيحة، ومرة قصيرة، وأخرى طويلة، ومرة كالإنس، وأخرى كالدواب، وهكذا لتفزع الناس، فهي متبدلة باستمرار، قال كعب بن زهير :فما تدوم على حال تكون بها كما تلون في أثوابها الغول"

ما هو معنى الخُبَّل؟

وهم الذين يخبلون الناس ويؤذونهم، فيقال رجلٌ مُخبل، أي أنَّ به مسٌّ من الجنِّ.

ختاماً... قد بيّنا ما ورد في القرآن الكريم في بيان طبيعة الجنِّ، وعلاقته بعالم الإنس، كما بينَّا ما جاءت به المراجع الموثوقة عن الاختلاف بين أنواع الجن وأسمائها، والله أعلم بكل شيء، وقد علَّمَنا في كتابه العزيز ألَّا قدرة للجنِّ أو الإنس إلا بسلطانٍ منه:

"يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ إِن اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانفُذُوا لَا تَنفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَان (33) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَان (33)" سورة الرحمن.

اشترك في قناة رائج على واتس آب لمتعة الترفيه