;

الهنود الحمر، من هم وما هي قصتهم

  • بواسطة: بابونج تاريخ النشر: الأحد، 24 نوفمبر 2019 آخر تحديث: الأحد، 05 مارس 2023

نسمع الكثير من القصص الجميلة حول الولايات المتحدة الأميركية بلد الحلم الجميل والأمنيات المحققة، لكن ما لا نعرفه هو أن هذه الدولة قامت على القتل والتشريد والإبادة الجماعية للسكان الأصليين، الذين سكنوا هذه البلاد قبل قدوم الأميركيين الجدد إليها، هذا ما جعل "السكان الأصليين" أو "الهنود الحمر" يختفون حتى قلت نسبتهم بشكل كبير، لكن ماذا تعلم عن هذه الشعوب؟ سنتناول في مقالنا هذا قصة الهنود الحمر ومسيرة حياتهم.

 

سبب تسمية الهنود الحمر

أطلقت تسمية "هنود" على الهنود الحمر أو ما يعرف بالسكان الأصليين بسبب اعتقاد الرحالة "كريستوفر كولومبس" (Cristopher Columbus) أنه وصل إلى أراضي الهند الشرقية قبل اكتشافه أن الأراضي التي اكتشفها هي أراضٍ جديدة، أما مصطلح "الهنود الحمر" ليس بسبب الخرافة التي تقول: "إن السكان الأصليين كانوا يضعون ريشة حمراء على رؤوسهم"، بل السبب وراء هذه التسمية هو التمييز بين هؤلاء الهنود والهنود الآسيويين في الشرق فقط.

 

شعوب وقبائل استوطنت أمريكا بعد انتهاء العصر الجليدي

ليس معروفاً حتى اليوم متى استقر الهنود الحمر في الأمريكيتين، لكن يعتقد بعض الباحثون بأنهم انتقلوا إلى الأمريكيتين من مختلف المناطق بعد انتهاء العصر الجليدي، وأن جميع المعابر البرية التي عبروا منها حينها تقبع اليوم تحت المياه نتيجة غمر البحار والمحيطات لها.

ارتبطت سابقاً ثقافات أميركا بثقافة الهنود الحمر، لكن غالباً يتم ربط هؤلاء الهنود مع شرق آسيا تبعاً لأسس معينة تم وضعها من قبل المختصين، اعتمد الهنود الحمر الصيد وخاصةً صيد الحيوانات الضخمة كوسيلة للعيش بشكل أساسي، وسكنوا في أكواخ في المناطق القريبة من مصادر الغذاء وشيّدوا الكثير من المواقع الجميلة.

لكنهم لم يستوطنوا بها بل كانوا يستخدمونها موسمياً وخاصةً في الصيف من أجل تخزين اللحوم والأسماك والطعام وذلك لمواجهة الشتاء القارس، حيث كان الهنود الحمر يستقرون في المدينة التي تعرف حالياً بـ "نيو مكسيكو" وفي وادي "ريو غراندي" وفي مدينة "كولورادو" كما تعرف اليوم، وغيرها الكثير من الولايات الأميركية الحالية مثل "يوتا" و"لويزيانا" التي لم تكن أكثر من أرض جرداء حينها.

تعد الشعوب الأصلية لأميركا ذات انتماءات قبلية مختلفة وهويات سياسية وثقافية متعددة، لكن كان هناك الكثير من العادات والتقاليد التي تجمع بين جميع أطياف تلك الشعوب مهما اختلفت أصولهم، عانوا من الكثير من الأمراض التي نقلها المستوطنون الأوروبيون مثل الكوليرا والتيفوئيد والحصبة، أدت هذه الأمراض إلى مقتل الكثير من السكان الأصليين، إضافةً للمجازر التي قام بها المستوطنون بحق السكان الأصليين.

أين سكن الهنود الحمر؟

عاش الأميركيون الأصليون في جميع أنحاء أميركا الشمالية والجنوبية وخاصة في ما يعرف حالياً بـالولايات المتحدة الأميركية، تتنوع القبائل التي ينتمي إليها الهنود الحمر وتتنوع المناطق التي تنقلوا فيها، لكن يمكن القول أن السكان الأوائل عاشوا في البر الرئيسي للولايات المتحدة الأميركية.

بالإضافة إلى ما يعرف حالياً بـ"ألاسكا" و"هاواي"، أما بعض قبائل الهنود الحمر عاشت في منتصف البلاد في المناطق السهلية بما في ذلك قبيلة "كومانش" وقبيلة "أراباهو"، لكن بعض القبائل مثل"شيروكي" و"السيمينول" لم تستطع البقاء في هذه المنطقة؛ لذلك انتقلت إلى المناطق الجنوبية الشرقية من أميركا.

 

ما هي ديانة الهنود الحمر؟

في البداية كان جميع الهنود الحمر وثنيين يعبدون آلهة مختلفة ولهم طقوس وشعائر غريبة لا يصدقها العقل، لكن مع قدوم المستوطنين الجدد ومعرفة طقوس هؤلاء الهنود بدأ المستوطنون الإسبان خصوصاً بإرسال بعثات تبشيرية للتعريف بالدين المسيحي والترغيب به.

وبالفعل استطاعت هذه البعثات استقطاب عدد كبير من الهنود الحمر وتعميدهم ليصبحوا مسيحيين، لكن حتى يومنا هذا لا يزال بعض الهنود يرفضون ترك عباداتهم ولا يزالون يمارسون هذه الطقوس من رقص وغناء ودق الطبول واستخدام أدوات مقدسة، تقوم الولايات المتحدة الأمريكية اليوم بحماية هؤلاء الهنود وحفظ حقهم في حرية الاعتقاد.

 

الهنود الحمر رسامون ونحاتون

استعمل الهنود الحمر الرسومات للدلالة على أشكال حياتهم بشكل عام، لكن أكثر ما كان يميزهم هو حبهم للنحت على الحجارة والأخشاب من أجل صناعة أقنعة خاصة بالاحتفالات؛ وذلك لاعتقادهم في وقتها بأهمية هذه الأقنعة للتلبس بأرواح الأجداد القدماء وكسب رضاهم من أجل التوفيق في حياتهم.

موسيقى الهنود الحمر

تعتمد الموسيقى التي يعزفها الهنود الحمر على الكثير من الآلات المتداخلة ببعضها البعض، وتشمل الآلات الإيقاعية مثل الدغ والطبول و"الخشخيشات"، بالإضافة إلى الآلات الرئيسية النفخية مثل المزامير والصفارات المصنوعة من الخشب، لكن في بعض المناسبات تستخدم مزامير خاصة مصنوعة من العظام، ويحافظ الهنود الحمر على تراثهم الموسيقي حتى وقتنا الحالي، حيث لايزال البعض منهم يعتز ويفتخر بالقطع الموسيقية التي تعزفها أفراد قبيلته.

 

الزراعة عند الهنود الحمر

اعتمد الهنود الحمر في حياتهم بشكل كبير على الصيد، لكن لم يكن الصيد كافياً؛ لذلك قاموا باعتماد الزراعة أيضاً، ومن أهم محاصيلهم الزراعية الذرة التي كانت تعتبر المحصول الرئيسي، كانت تُخزن في الشتاء في حفر عميقة تحت الأرض من أجل الحفاظ عليها من الفساد.

بدأت زراعة هذا المحصول منذ 2000 عام تقريباً من قبل الهنود الحمر، لكن بحلول عام 800م قام الأمريكيون الأصليون بزراعات جديدة أُطلق عليها مسمى "زراعة الأخوات الثلاث" وهي زراعة "الذرة والقرع والفاصولياء"، كما زرع الهنود الحمر محاصيل كثيرة أخرى كالقطن والتبغ وعباد الشمس وغيرها الكثير.

 

متى تم الاعتراف بالهنود الحمر كمواطنين أميركيين؟

كان الأمر يعود إلى القبائل في اكتساب حقوق المواطنة أم لا، والقبيلة التي ترغب بالانتماء للولايات المتحدة الأمريكية يجب عليها تحقيق عدد من المواصفات، مثل: تسجيل أراضيها بشكل رسمي في الدولة، مراعاة حقوق الأطفال القاصرين، التطوع في البحرية الأميركية، الزواج - إن أمكن - بمواطن أو مواطنة أمريكية.

وكانت أولى القبائل التي امتثلت إلى هذه الأمور وأصبحت لاحقاً أول قبيلة من قبائل الهنود الحمر المعترف بأفرادها كمواطنين أمريكيين هي قبيلة "شيروكي" عام 1817م، وتعد قبيلة "إيشي" آخر القبائل التي لم ترضَ بالاعتراف بأفرادها كمواطنين أمريكيين، حيث بقيت هذه القبيلة حتى عام 1911م مستقلة تعيش حياتها كما عاشها أجدادها.

 

موقف السكان الأصليين من الحرب الأهلية في أمريكا

خدم السكان الأصليون في الحرب الأهلية عام 1861م كل الفرق المتحاربة، إذ اختلف ولاء القبائل وانتماؤهم للأحزاب المتقاتلة فيما بينها، كان السبب الرئيسي في هذا الاختلاف؛ الخوف من محي آثارهم وحضارتهم والقضاء على أراضيهم في حال دعموا الطرف الخاسر في الحرب.

وشارك الهنود الحمر في بعض المعارك بشكل شخصي مع أسلحتهم البسيطة ووحشيتهم في القتل، لكن وجدت بعض القبائل مثل "كريك" و"تشوكتاو" مورداً اقتصادياً جديداً يعتمد على تجارة العبيد، حيث كانت قبيلة "تشوكتاو" تملك 2000 عبد للمتاجرة بهم.

 

سياسة الولايات المتحدة الأميركية مع الهنود الحمر

حاولت الحكومة الأمريكية لاحقاً احتواء مجتمع الهنود الحمر وعرض المساعدة وعقد الصلح بين السكان الأصليين والأمريكيين الجدد، ذلك من خلال تطبيق خطة من قبل الحكومة قائمة على ست نقاط رئيسية من أجل الحفاظ على حضارة الهنود الحمر، تضمنت الخطة ما يلي:

  1. تطبيق العدالة والمساواة بين السكان الأصليين والشعب الأميركي الحديث.
  2. عدم سلب الأراضي من الهنود الحمر، إنما شراؤها بعقود بيع نظامية.
  3. السماح للهنود الحمر بالتجارة، ودعم هذه التجارة من قبل الحكومة الأميريكية.
  4. تحسين المجتمع الخاص بالهنود الحمر وحماية إرثهم الحضاري.
  5. تساعد الحكومة وتكرم الهنود الحمر وتقدم لهم مساعدات على شكل هدايا.
  6. معاقبة أي شخص ينتهك حقوق الأمريكيين الأصليين في البلاد.

وفي نهاية القرن الثامن عشر، دعم الإصلاحيون الأمريكيون تعليم الصغار والكبار من الهنود الحمر بعد أن كانت سياسة التفرقة العنصرية تمنع تعليم أي شخص من السكان الأصليين.

تبين خداع الحكومة الأمريكية ومراوغتها في القرن التاسع عشر بعد الاستيلاء الأميركي على ولاية كاليفورنيا، حيث سبب العنف والمجاعة انخفاض عدد السكان الأصليين من 150.000 إلى 15000 نسمة بالإضافة إلى الكثير من المذابح الأخرى التي قامت بها الحكومة الأمريكية.

 

الهنود الحمر حالياً

أصبحت الاستثمارات في الكازينوهات والمقامرة من أشهر الاستثمارات في الولايات المتحدة الأمريكية؛ ولذلك بدأ الهنود الحمر بالاستثمار في هذا المجال، وأصبحوا يملكون الكثير من الكازينوهات الخاصة بهم والتي لا تستطيع الحكومة الأمريكية التدخل بها.

بدأ الهنود الحمر بتجميع الأموال والاستفادة منها للدخول إلى عالم الاقتصاد من أوسع أبوابه، لكن على الرغم من هذا اعتبرت بعض القبائل مثل قبيلة "وينيميم وينتو" في كاليفورنيا أن هذه الاستثمارات تدمر الإرث الحضاري للهنود الحمر، ورفضت بشكل قاطع الدخول أو الاستثمار في هذه الكازينوهات أو في مجال المقامرة بشكل عام.

الانضمام إلى قبائل الهنود الحمر!!

للحصول على خدمات قبائل الهنود الحمر مثل المنح الدراسية التي تقدمها الحكومة لهم يجب أن تكون عضواً في إحدى قبائلهم، وليس هناك شروطاً معينة للانضمام إلى القبيلة لكن يجب أن تكون بالدرجة الأولى منحدراً من إحدى سلالاتهم، يتم التأكد من ذلك عن طريق دراسة شجرة العائلة سابقاً، أما اليوم أصبحت القبائل تطلب القيام بفحصٍ للحمض النووي للشخص الذي يدّعي أنه من إحدى السلالات للتأكد من صحة ادّعائه.

تعداد الهنود الحمر حالياً في الولايات المتحدة الأمريكية

حسب وصف "كولومبوس" لأعداد السكان الذين وجدهم في الأمريكيتين تراوح عدد السكان الأصليين لأمريكا بين 15 و 100 مليون هندي أحمر وهو عدد تقريبي لا يمكن التأكد من صحته، أما اليوم فيمكن معرفة عدد السكان الأصليين لأمريكا وذلك حسب الإحصاءات التي تقوم بها الجهات المختصة.

فحسب التعداد السكاني الذي أجري عام 2010م في الولايات المتحدة الأمريكية وآلاسكا - الذي طلب من السكان الأصليين لأمريكا تسجيل اسم قبيلتهم للتأكد من صحة المعلومات - تبين أنه يوجد 5.2 مليون شخص من الهنود الحمر "السكان الأصليين" أي بنسبة 1.7% من عدد السكان الكلي للولايات المتحدة الأمريكية.

في النهاية... من يراقب وضع الولايات المتحدة الأمريكية في أيامنا هذه يستطيع أن يكتشف أن هذه الدولة الضخمة والمتطورة في كافة النواحي لم تقم إلا على أنقاض المجازر والمذابح التي ارتكبتها نتيجة السياسة العنصرية، التي فرقت وميزت وفضلت من خلالها المستوطنين الجدد على السكان الأصليين للمنطقة.

اشترك في قناة رائج على واتس آب لمتعة الترفيه