;

حين تخوننا الذاكرة: كيف يصنع العقل ذكريات لم تحدث؟

  • تاريخ النشر: السبت، 07 فبراير 2026 زمن القراءة: دقيقتين قراءة آخر تحديث: منذ 17 ساعة
حين تخوننا الذاكرة: كيف يصنع العقل ذكريات لم تحدث؟

لا تعمل الذاكرة بوصفها أرشيفاً ثابتاً للأحداث، بل كعملية نشطة يعاد بناؤها في كل مرة نتذكّر فيها شيئاً. وبينما يظنّ الإنسان أنّ ما يستحضره من الماضي حقيقة مكتملة، يكشف العلم أنّ جزءاً من هذه الذكريات قد يكون غير دقيق، أو حتى مختلقاً دون وعي. وتُعرف هذه الظاهرة بالذكريات المزيفة، وهي لا تعبّر عن ضعف في العقل، بل عن طريقة عمله المعقّدة.

كيف يصنع العقل ذكريات لم تحدث؟

الذاكرة كإعادة بناء لا كنسخ

يعتمد العقل عند التذكّر على تجميع شظايا متفرقة من المعلومات، ثم ربطها بسياق منطقي. ولا يتم استرجاع الحدث كما وقع حرفياً، بل كما فُهِم وشُعِر به في لحظته. ومع مرور الوقت، تتداخل التفاصيل الحقيقية مع الاستنتاجات والتأويلات، فينشأ تذكّر يبدو متماسكاً، لكنه قد يبتعد عن الواقع الأصلي.

دور العاطفة في تشويه الذكريات

تلعب المشاعر دوراً محورياً في تشكيل الذاكرة. فالأحداث المرتبطة بالخوف أو الفرح الشديد تُخزَّن بقوة، لكنها في الوقت نفسه أكثر عرضة للتغيير. وقد يعيد العقل صياغة تفاصيل مؤلمة لتصبح أقل حدّة، أو يضخّم لحظات سعيدة لتنسجم مع الصورة التي يريد الاحتفاظ بها عن الذات. وهكذا تتحوّل الذاكرة إلى وسيلة للحماية النفسية، لا مجرد تسجيل محايد.

تأثير الآخرين والسرد المتكرر

تتأثر الذاكرة أيضاً بما يسمعه الإنسان من الآخرين. فعند تكرار قصة ما داخل العائلة أو المجتمع، قد يدمج الفرد تفاصيل لم يعشها بنفسه، لكنه سمعها مراراً. ومع الوقت، يفقد العقل القدرة على التمييز بين ما اختبره فعلياً وما اكتسبه عبر السرد. ويؤدّي هذا التداخل إلى نشوء ذكريات تبدو شخصية، لكنها في الأصل جماعية أو مستعارة.

الثقة الزائدة في الذاكرة

تكمن خطورة الذكريات المزيفة في الثقة المطلقة بها. إذ يميل الإنسان إلى الدفاع عن ذكرياته بوصفها جزءاً من هويته، حتى عند مواجهتها بأدلة تناقضها. ويؤثّر ذلك على القرارات اليومية، والعلاقات الاجتماعية، وتقييم الماضي. فالاعتماد على ذاكرة غير دقيقة قد يقود إلى أحكام خاطئة، أو مشاعر ذنب، أو نزاعات لا أساس لها.

الذاكرة والهوية الشخصية

تسهم الذكريات في بناء صورة الإنسان عن نفسه، حتى وإن لم تكن جميعها دقيقة. فالعقل يختار ما يدعمه من تجارب ليحافظ على تماسك الهوية. ومن هذا المنظور، لا تُعدّ الذكريات المزيفة خللاً بقدر ما هي آلية لتنظيم السرد الذاتي. غير أنّ الوعي بهذه الطبيعة المرنة للذاكرة يفتح الباب لمراجعة الذات بقدر أكبر من التوازن.

خاتمة

تكشف دراسة الذكريات المزيفة أنّ الذاكرة ليست مرآة صافية للماضي، بل نصّاً يعاد تحريره باستمرار. وإدراك هذه الحقيقة لا ينتقص من قيمة التجربة الإنسانية، بل يضيف إليها عمقاً. فحين نفهم أنّ ما نتذكّره قد لا يكون دقيقاً بالكامل، نصبح أكثر حذراً في أحكامنا، وأكثر تفهّماً لتناقضاتنا، وأكثر انفتاحاً على إعادة قراءة ما ظننّاه ثابتاً.

اشترك في قناة رائج على واتس آب لمتعة الترفيه