موجة الحر القياسية ترفع الوفيات في فرنسا إلى مستويات مقلقة

  • تاريخ النشر: منذ 20 ساعة زمن القراءة: 8 دقائق قراءة
مقالات ذات صلة
ارتفاع عدد الوفيات بسبب موجة الحر في إيطاليا
وفيات في إسبانيا وفرنسا بسبب موجة الحر
موجة حر غير مسبوقة تضرب أوروبا.. وفرنسا تتأهب لدرجات حرارة قياسية

سجّلت فرنسا ارتفاعًا حادًا في عدد الوفيات خلال أشد أسابيع موجة الحر التي ضربت أوروبا في أواخر يونيو، إذ أعلنت هيئة الصحة العامة الفرنسية أن الوفيات ارتفعت بنسبة تقارب 30% مقارنة بالأسبوع السابق.

وتأتي هذه الأرقام في وقت تتزايد فيه التحذيرات من أن الحصيلة النهائية قد تكون أعلى، مع استمرار استكمال البيانات الصحية ورصد التأثير الكامل للحرارة الشديدة على السكان، ولا سيما كبار السن.

وتكشف هذه الأرقام عن الأثر المباشر لموجات الحر القياسية على الصحة العامة، في ظل ارتفاع درجات الحرارة إلى مستويات غير مسبوقة في فرنسا وعدة دول أوروبية.

ارتفاع الوفيات في فرنسا خلال أسبوع واحد

وبحسب هيئة الصحة العامة الفرنسية، تم تسجيل زيادة في الوفيات بنسبة 29.1% خلال الأسبوع الممتد من 22 إلى 28 يونيو، وهو ما يعادل 2025 وفاة إضافية مقارنة بالأسبوع السابق.

وأوضحت الهيئة أن هذا الرقم لا يزال أوليًا وغير مكتمل، ما يعني أن الحصيلة مرشحة للارتفاع مع إدراج البيانات المتأخرة.

وأشارت الهيئة إلى أنها أحصت حتى الآن 8973 وفاة خلال ذلك الأسبوع، مقابل 6948 وفاة في الفترة من 15 إلى 21 يونيو.

وكانت التقديرات الأولية التي نُشرت قبل أيام تشير إلى أكثر من 1000 وفاة إضافية فقط، لكنها كانت تغطي 3 أيام من ذروة الحر الشديد، ما يفسر الفارق الكبير في الأرقام بعد تحديثها.

من الأكثر تضررًا من موجة الحر في فرنسا؟

وأظهرت البيانات أن الزيادة في الوفيات تركزت بشكل شبه كامل بين الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 45 عامًا فأكثر، مع تسجيل التأثير الأكبر لدى من تجاوزوا 65 عامًا.

وذكرت هيئة الصحة العامة الفرنسية: "رغم أننا نلاحظ ارتفاعًا واضحًا بين الفئة العمرية من 45 إلى 64 عامًا، فإن الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 65 عامًا فأكثر يمثلون الحصة الأكبر من الوفيات".

وتؤكد هذه المعطيات أن موجات الحر لا تمثل مجرد إزعاج موسمي، بل تشكل خطرًا صحيًا مباشرًا، خاصة على كبار السن والمصابين بأمراض مزمنة، مثل أمراض القلب والجهاز التنفسي والسكري، كما أن العيش بمفردهم أو غياب وسائل التبريد المناسبة قد يزيد من خطر الوفاة خلال فترات الحرارة القصوى.

الوفيات في المنازل وباريس الأكثر تضررًا

من بين المؤشرات اللافتة في التقرير، أن الوفيات المسجلة داخل المنازل شهدت أكبر زيادة، إذ كادت تتضاعف خلال أسبوع واحد فقط.

ويشير ما سبق إلى أن كثيرًا من الضحايا ربما تعرضوا للإجهاد الحراري أو مضاعفات صحية مرتبطة بالحر دون الوصول في الوقت المناسب إلى الرعاية الطبية.

أما باريس، فكانت المنطقة الأكثر تضررًا، حيث ارتفع عدد الوفيات المسجلة في العاصمة بنسبة 62% على أساس أسبوعي.

ويعكس هذا الارتفاع الشديد أثر ما يُعرف بظاهرة "الجزيرة الحرارية الحضرية"، حيث تتراكم الحرارة في المدن الكبرى بسبب كثافة المباني والأسفلت وضعف التهوية وندرة المساحات الخضراء.

توقعات بارتفاع الحصيلة مقارنة بموجات حر سابقة

من جانبه، قال نيكولا ريفيل، المدير العام لمنظومة المستشفيات العامة في باريس، إنه يتوقع أن تكون حصيلة الوفيات الناتجة عن موجة الحر في يونيو أقل من كارثة عام 2003، لكنها "على الأرجح" ستكون أعلى من موجة حر شديدة شهدها العام الماضي وتسببت في وفاة 5700 شخص.

ويحمل هذا التصريح دلالة مهمة، لأن موجة حر 2003 لا تزال تمثل مرجعًا صادمًا في الذاكرة الفرنسية والأوروبية، بعدما أودت بحياة أعداد كبيرة من الأشخاص، خصوصًا من كبار السن.

ومع ذلك، فإن تكرار موجات الحر واشتدادها في السنوات الأخيرة يثيران تساؤلات جدية حول مدى جاهزية الأنظمة الصحية والاجتماعية للتعامل مع هذه الظواهر المتطرفة.

حصيلة الوفيات في بلجيكا وهولندا

لم تقتصر آثار موجة الحر على فرنسا وحدها، إذ أعلنت وزارة الصحة في بلجيكا أن الوفيات الزائدة بلغت نحو 1200 وفاة بين 18 و29 يونيو، من بينها 530 وفاة لأشخاص يبلغون 85 عامًا أو أكثر.

كما أفادت الحكومة الهولندية بأن موجة الحر تسببت في نحو 480 وفاة زائدة، معظمها بين كبار السن.

أرقام قياسية للحرارة في فرنسا وأوروبا

خلال الأسبوع الذي شمله التقرير، شهدت فرنسا أكثر أيامها حرارة على الإطلاق في يونيو، مع تحطيم أرقام قياسية سابقة لدرجات الحرارة نهارًا وليلًا في مدن وبلدات عديدة. كما سُجلت مئات الأرقام القياسية الأخرى في مناطق مختلفة من أوروبا.

وشهدت ألمانيا وبولندا وسلوفاكيا وتشيكيا والمجر تحطيم أرقام حرارة تاريخية، إلى جانب تسجيل مستويات قياسية لشهر يونيو في المملكة المتحدة وسويسرا.

وفي فرنسا، بلغ متوسط درجات الحرارة على مستوى البلاد مستوى غير مسبوق، في إشارة واضحة إلى اتساع نطاق الحدث المناخي وحدّته.

أكثر من ثلثي الأوروبيين تعرضوا لحرارة تتجاوز 35 درجة مئوية

واستنادًا إلى بيانات درجات الحرارة الصادرة عن المرصد الأوروبي للجفاف وأرقام السكان من مركز الأبحاث المشترك، فإن أكثر من ثلثي سكان أوروبا تعرضوا خلال موجة يونيو لدرجات حرارة بلغت 35 درجة مئوية أو أكثر، ما يعني أن الظاهرة لم تكن محلية أو عابرة، بل حدثًا واسع النطاق مسّ عشرات الملايين من السكان بشكل مباشر.

وعندما تتزامن درجات الحرارة المرتفعة مع الرطوبة، وتستمر خلال ساعات الليل، يصبح جسم الإنسان أقل قدرة على التخلص من الحرارة، ما يرفع خطر الإصابة بضربات الشمس والجفاف ومضاعفات القلب والجهاز التنفسي، خاصة لدى كبار السن والمرضى والأطفال.

التداعيات البيئية لموجة الحر والجفاف في أوروبا

لم تقتصر نتائج موجة الحر على الصحة العامة، بل امتدت إلى البيئة والموارد المائية. ففي إيطاليا، أدت موجات الجفاف إلى وضع عدة مجاري مائية في "حالة حرجة"، بحسب هيئة حوض نهر بو.

كما تراجع منسوب بحيرة ماجوري عند سفح جبال الألب إلى 48% فقط من طاقتها، بينما ظهرت أجزاء جافة من قاع نهر بو نتيجة انحسار المياه.

ودفع تفاقم الجفاف منطقة فينيتو إلى إعلان حالة الطوارئ. ويؤكد هذا التطور أن موجات الحر لا تؤثر فقط على صحة الأفراد، بل تضغط أيضًا على الزراعة والطاقة ومياه الشرب والنظم البيئية.

ذوبان الأنهار الجليدية في سويسرا بسبب الحرارة الشديدة

في سويسرا، تسببت الحرارة الشديدة في تسجيل ما وصفه خبراء بـ"يوم فقدان الجليد" في 29 يونيو على نهر الرون الجليدي، وهو ما يعني ذوبانًا مفرطًا لطبقات من الثلوج والجليد تراكمت على مدى عقود أو حتى قرون.

وقال ماتياس هوس، مدير مؤسسة مراقبة الأنهار الجليدية في سويسرا، إن كمية المياه الناتجة عن هذا الذوبان كانت كافية لملء مسبح أولمبي كل 6 ثوانٍ لمدة أسبوعين.

ويبرز هذا المثال حجم الخسارة البيئية الناتجة عن موجات الحر المتطرفة، وما قد تسببه من تسارع في ذوبان الكتل الجليدية وتغيرات بعيدة المدى في الموارد المائية.

هل يقف تغير المناخ وراء موجات الحر القياسية؟

بحسب علماء المناخ في مبادرة "إسناد الطقس العالمي"، فإن درجات الحرارة التي شهدتها أوروبا خلال يونيو كانت ستصبح شبه مستحيلة في غياب تغير المناخ.

ويعزز هذا التقييم العلمي الفرضية القائلة إن الاحترار العالمي الناتج عن الأنشطة البشرية يزيد من احتمالات وقوع موجات حر أشد وأكثر تكرارًا وأوسع نطاقًا.

ويعني ذلك أن ما حدث في فرنسا وبلجيكا وهولندا ودول أوروبية أخرى ليس مجرد تقلب موسمي استثنائي، بل جزء من اتجاه مناخي مقلق يتطلب إجراءات وقائية أكثر صرامة في مجالات الصحة العامة والتخطيط الحضري وحماية الفئات المعرضة للخطر.

أبرز أرقام موجة الحر في فرنسا وأوروبا

  • ارتفاع الوفيات في فرنسا بنسبة 29.1% خلال أسبوع واحد.
  • تسجيل 2025 وفاة إضافية مقارنة بالأسبوع السابق.
  • إحصاء 8973 وفاة أولية في فرنسا بين 22 و28 يونيو.
  • ارتفاع الوفيات في باريس بنسبة 62% على أساس أسبوعي.
  • الزيادة تركزت بشكل رئيسي بين من تبلغ أعمارهم 45 عامًا فأكثر.
  • بلجيكا سجلت نحو 1200 وفاة زائدة بين 18 و29 يونيو.
  • هولندا سجلت نحو 480 وفاة زائدة، معظمها بين كبار السن.
  • أكثر من ثلثي الأوروبيين تعرضوا لحرارة بلغت 35 درجة مئوية أو أكثر.

لماذا ترتفع الوفيات خلال موجات الحر؟

ترتفع الوفيات خلال موجات الحر لعدة أسباب متداخلة، أبرزها الضغط الشديد على الجسم وصعوبة الحفاظ على توازنه الحراري. وتكون المخاطر أعلى عندما تستمر الحرارة المرتفعة ليلًا، لأن الجسم لا يحصل على فرصة كافية للتعافي.

  1. الإجهاد الحراري وضربات الشمس الناتجة عن التعرض المباشر أو المطول للحرارة.
  2. تفاقم الأمراض المزمنة، خصوصًا أمراض القلب والرئة والكلى.
  3. الجفاف وفقدان الأملاح، وهو ما قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة.
  4. ضعف الاستجابة لدى كبار السن بسبب تراجع الإحساس بالعطش أو محدودية الحركة.
  5. السكن في منازل سيئة التهوية أو من دون وسائل تبريد كافية.

وفي ظل تزايد تكرار موجات الحر في أوروبا، تبدو الحاجة ملحة إلى تحسين أنظمة الإنذار المبكر، وتوسيع خطط الحماية الصحية، وتعزيز الوعي المجتمعي بخطورة الحرارة الشديدة، خاصة للفئات الأكثر هشاشة.

شارك الذكاء الاصطناعي بإنشاء هذا المقال.