;

غرائز قديمة في عالم حديث: ما الذي ما زال يوجّه سلوكنا دون أن نشعر؟

  • تاريخ النشر: السبت، 07 فبراير 2026 زمن القراءة: دقيقتين قراءة آخر تحديث: الأحد، 15 فبراير 2026
غرائز قديمة في عالم حديث: ما الذي ما زال يوجّه سلوكنا دون أن نشعر؟

رغم كل ما حقّقه الإنسان من تطوّر تقنيّ وعقليّ، ما زالت قراراته اليومية متأثرة بقوى خفيّة تشكّلت منذ آلاف السنين. هذه القوى هي الغرائز، التي نشأت في بيئات بدائية لضمان البقاء، لكنها لم تختفِ مع تغيّر العالم. بل استمرّت في العمل بصمت، موجِّهة السلوك وردود الفعل، حتى في أكثر المواقف حداثة.

أصل الغرائز ووظيفتها الأولى

تطوّرت الغرائز بوصفها آليات سريعة لاتخاذ القرار في بيئات خطرة. الخوف، الحذر، الرغبة في الانتماء، وحبّ الاستكشاف، كلّها استجابات مكّنت الإنسان من النجاة دون الحاجة إلى تحليل طويل. هذه الاستجابات كانت فعّالة حين كان الخطر مباشراً، والقرار الخاطئ يعني نهاية محتملة.

لماذا لم تختفِ الغرائز؟

لم يُعاد تصميم الدماغ ليتناسب مع العالم الحديث بالسرعة نفسها التي تغيّر بها نمط الحياة. فما زالت البنى العصبية القديمة نشطة، وتستجيب للمثيرات كما لو كانت تهديدات بدائية. إشعار هاتف، تعليق سلبي، أو نظرة تقييمية، قد يثير استجابة توتر تشبه تلك التي كانت تُثار عند مواجهة خطر حقيقي.

الغريزة الاجتماعية والانتماء

يُعدّ الانتماء من أقوى الغرائز البشرية. ففي الماضي، كان الخروج عن الجماعة تهديداً للحياة. واليوم، تظهر هذه الغريزة في الخوف من الرفض الاجتماعي، والسعي إلى القبول، وتقليد السلوك السائد. ورغم تغيّر السياق، ما زال العقل يتعامل مع العزلة بوصفها خطراً يجب تجنّبه.

الغريزة والقرارات اليومية

تتدخّل الغرائز في اختيارات تبدو عقلانية. الميل إلى تجنّب الخسارة، أو التمسّك بالمألوف، أو الشكّ في الغريب، كلها انعكاسات لآليات بقاء قديمة. حتى التعلّق بعادات غير مفيدة قد يكون نتيجة بحث الغريزة عن الأمان، لا عن الأفضل.

متى تصبح الغريزة عائقاً؟

تكمن المشكلة حين تعمل الغرائز في سياقات لم تعد تناسبها. فالخوف الزائد قد يقيّد التجربة، والحذر المفرط قد يمنع التعلّم، والرغبة في القبول قد تُضعف الاستقلالية. هنا، لا تكون الغريزة خطأ، بل أداة قديمة تحتاج إلى وعي لتنظيمها.

هل يمكن إعادة توجيه الغرائز؟

لا يمكن إلغاء الغرائز، لكنها قابلة للفهم والتعديل. الوعي بها يسمح بإبطاء الاستجابة التلقائية، وإعطاء العقل الواعي مساحة للتدخّل. ومع التدريب، يمكن تحويل الغرائز من قوى مسيطرة إلى إشارات تُقرأ ولا تُتبع دائماً.

خاتمة

لا يعيش الإنسان الحديث منفصلاً عن ماضيه البيولوجي، بل يحمله معه في كل قرار وانفعال. الغرائز ليست بقايا زمن انتهى، بل طبقة عميقة من العقل ما زالت تؤثّر في الحاضر. وفهم هذه الطبقة لا يعني الخضوع لها، بل استخدام وعي الإنسان الحديث لقيادتها بدلاً من أن تقوده.

اشترك في قناة رائج على واتس آب لمتعة الترفيه