كيف تتكون الكهوف الجليدية التي تختفي كل صيف؟
تبدو الكهوف الجليدية وكأنها أماكن ثابتة لا تتغير، لكن الحقيقة أن كثيرًا منها يعيش دورة حياة قصيرة تتكرر كل عام. ففي نهاية الشتاء تكون هذه الكهوف في أفضل حالاتها، بينما تبدأ مع ارتفاع درجات الحرارة في الربيع والصيف بالذوبان تدريجيًا حتى يختفي بعضها تمامًا، ليعود إلى التشكل من جديد مع الشتاء التالي. هذه الظاهرة تجعلها من أكثر التكوينات الطبيعية ديناميكية على سطح الأرض.
وتنتشر الكهوف الجليدية الموسمية في مناطق عديدة مثل ألاسكا وآيسلندا وسويسرا والنرويج، حيث تتبدل ملامحها باستمرار، فلا يبدو الكهف في عامين متتاليين بالشكل نفسه.
بداية التكوين داخل الأنهار الجليدية
تتشكل معظم الكهوف الجليدية داخل الأنهار الجليدية الضخمة، وليس داخل الجبال الصخرية. وخلال فصل الربيع يبدأ الثلج المتراكم على السطح بالذوبان، فتتسرب المياه عبر الشقوق والفجوات الموجودة في الجليد.
ومع استمرار تدفق المياه تعمل كأنها أداة نحت طبيعية، إذ تذيب الجليد تدريجيًا وتفتح ممرات داخلية تتوسع مع مرور الوقت، لتتحول إلى أنفاق وكهوف قد تمتد عشرات أو حتى مئات الأمتار.
دور المياه الجارية في تشكيل الكهوف
لا يعتمد تكوين الكهف على ذوبان الجليد وحده، بل تؤدي المياه المتدفقة دورًا رئيسيًا في تحديد شكله وحجمه. فكلما زادت كمية المياه الناتجة عن ذوبان الثلوج، ارتفعت قدرتها على حفر ممرات جديدة داخل الكتلة الجليدية.
وتغير هذه المياه مسارها باستمرار، لذلك قد تنهار بعض الأنفاق بينما تتكون أخرى في أماكن مختلفة، وهو ما يجعل الكهوف الجليدية تتغير من موسم إلى آخر.
لماذا يختفي الكهف في الصيف؟
مع حلول الصيف ترتفع درجات الحرارة بصورة أكبر، فيزداد معدل ذوبان الجليد بشكل ملحوظ. وعندما يصبح السقف الجليدي رقيقًا أو ضعيفًا، يبدأ في الانهيار تدريجيًا.
وفي بعض الحالات يذوب الكهف بالكامل، فلا يبقى منه أي أثر مع نهاية الموسم. ولهذا السبب يصف العلماء هذه الكهوف بأنها تكوينات مؤقتة، إذ تعتمد حياتها على استمرار البرودة خلال أشهر الشتاء.
ألوان زرقاء تخطف الأنظار
من أكثر ما يميز الكهوف الجليدية لونها الأزرق العميق، وهو ليس انعكاسًا للسماء كما يعتقد البعض. فالكتل الجليدية الكثيفة تمتص معظم أطوال الضوء ذات اللونين الأحمر والأصفر، بينما تسمح بمرور اللون الأزرق وانعكاسه داخل الجليد. وكلما كان الجليد أكثر كثافة ونقاءً، بدا اللون الأزرق أكثر وضوحًا وسطوعًا.
تغيرات مستمرة من عام إلى آخر
لا يوجد كهف جليدي يحتفظ بالشكل نفسه لفترة طويلة. فقد يتسع أحد الممرات خلال موسم واحد، بينما يختفي بالكامل في الموسم التالي نتيجة تغير كمية الثلوج أو سرعة ذوبانها.
كما تؤثر الأمطار ودرجات الحرارة وحركة النهر الجليدي نفسها في إعادة تشكيل الممرات الداخلية باستمرار، لذلك يحرص الباحثون على إعادة مسح هذه الكهوف كل عام.
هل يمكن دخولها بأمان؟
رغم جمالها الاستثنائي، تُعد الكهوف الجليدية من البيئات الخطرة. فالجدران والأسقف قد تنهار دون سابق إنذار، خاصة خلال فترات الدفء أو بعد هطول الأمطار.
ولهذا السبب يُنصح بعدم دخولها إلا برفقة مرشدين متخصصين وخلال المواسم التي تحددها السلطات المحلية، حيث تُجرى تقييمات دورية لاستقرار الكهوف قبل السماح بزيارتها.
تأثير تغير المناخ
أصبحت الكهوف الجليدية أكثر حساسية مع ارتفاع متوسط درجات الحرارة عالميًا. فذوبان الأنهار الجليدية بوتيرة أسرع يؤدي إلى تقصير عمر هذه الكهوف، كما يزيد من احتمالات انهيارها واختفائها مبكرًا.
ويرى العلماء أن استمرار الاحترار العالمي قد يؤدي إلى تراجع عدد الكهوف الجليدية الموسمية في كثير من المناطق، وهو ما يجعلها من أبرز المؤشرات الطبيعية على التغيرات المناخية التي يشهدها الكوكب.
ظاهرة طبيعية لا تتكرر بالشكل نفسه
تكمن فرادة الكهوف الجليدية في أنها لا تتوقف عن التغير. فهي تُولد من ذوبان الثلوج، وتنمو مع تدفق المياه، ثم تختفي مع حرارة الصيف، قبل أن تبدأ دورة جديدة في الشتاء التالي. ولهذا السبب لا يزور السائح أو الباحث الكهف نفسه مرتين؛ فكل موسم يرسم داخله عالمًا مختلفًا تمامًا، يجمع بين الجمال والهشاشة في آن واحد.