الزمن في الدماغ: لماذا نشعر أنّ الوقت يسرقنا أحياناً؟
لا يتحرّك الزمن في وعينا بالوتيرة نفسها التي تتحرّك بها عقارب الساعة. فبين دقيقة تمرّ كأنّها ومضة، وأخرى تبدو دهراً كاملاً، يتدخّل الدماغ ليعيد تشكيل الإحساس بالوقت وفق الحالة النفسيّة، والسياق العاطفيّ، ومستوى الانتباه. ويكشف علم الأعصاب أنّ الزمن ليس تجربة موضوعيّة خالصة، بل بناء ذهنيّ مرن يتغيّر باستمرار.
لماذا نشعر أنّ الوقت يسرقنا أحياناً؟
الانتباه بوصفه محرّك الزمن
يرتبط الإحساس بطول الوقت ارتباطاً وثيقاً بدرجة الانتباه. فعندما ينشغل العقل بنشاط ممتع أو تحدٍّ ذهنيّ، يقلّ وعيه بمرور الدقائق، فيبدو الزمن أقصر. وعلى العكس، يتضخّم الإحساس بالوقت حين يركّز الدماغ على الانتظار أو الملل، لأنّه يراقب الزمن بدلاً من الانشغال عنه.
فيديو ذات صلة
This browser does not support the video element.
العاطفة وتشويه الإحساس الزمني
تلعب المشاعر دوراً حاسماً في تشكيل الزمن النفسيّ. فالحالات المرتبطة بالخوف أو القلق تُبطئ الإحساس بالوقت، إذ يضاعف الدماغ من معالجة التفاصيل كآليّة دفاعيّة. أمّا الفرح أو الحماس، فيدفعان العقل إلى تسريع التجربة الزمنيّة، لأنّ التركيز ينتقل من مراقبة اللحظة إلى الاستمتاع بها.
الذاكرة وصناعة الزمن بعد وقوعه
لا يتشكّل الإحساس بالوقت أثناء الحدث فقط، بل بعده أيضاً. فالذكريات المليئة بالأحداث والتغيّرات تُسترجع بوصفها فترات طويلة، حتى وإن كانت قصيرة فعليّاً. بينما تُختصر الفترات الروتينيّة في الذاكرة، فتبدو وكأنّها مرّت بسرعة. وهكذا، يعيد الدماغ كتابة الزمن اعتماداً على كثافة التجربة لا مدّتها الحقيقيّة.
الدماغ في حالات التدفّق
يصف علماء النفس حالة “التدفّق” بأنّها اندماج كامل بين الوعي والنشاط. في هذه الحالة، يختفي الإحساس بالوقت تقريباً، لأنّ الدماغ يخصّص موارده للأداء لا للمراقبة. وتُعدّ هذه التجربة دليلاً على أنّ الزمن ليس عنصراً ثابتاً في الإدراك، بل نتيجة ثانويّة لطريقة عمل العقل.
الضغط النفسي وتسارع الأيام
يشكو كثيرون من أنّ السنوات تمرّ أسرع مع التقدّم في العمر. ويُعزى ذلك جزئيّاً إلى تراجع عدد التجارب الجديدة، وزيادة الروتين، ما يقلّل من العلامات الزمنيّة في الذاكرة. كما يؤدّي الضغط النفسيّ المستمرّ إلى استهلاك الانتباه، فيفقد العقل قدرته على الإحساس الواعي بالوقت.
استعادة السيطرة على الزمن النفسي
يمكن تعديل الإحساس بالوقت عبر تغييرات بسيطة في نمط الحياة، مثل إدخال تجارب جديدة، أو ممارسة التأمّل، أو تقليل التشتّت الرقميّ. فحين يستعيد الفرد وعيه بالحظة، يصبح الزمن أقلّ تسارعاً، وأكثر حضوراً في التجربة اليوميّة.
خاتمة
لا يخدعنا الزمن بقدر ما يعكس طريقة عمل أدمغتنا. فالإحساس بالسرعة أو البطء ليس خللاً في الساعة، بل ترجمة ذهنيّة للحالة النفسيّة والانتباهيّة. وفهم هذا الاختلاف يمنحنا قدرة أعمق على العيش داخل الوقت، لا مطاردته.