التنويم المغناطيسي: كيف يؤثّر الإيحاء العقليّ في الجسد؟
يُعدّ التنويم المغناطيسي من أكثر الظواهر النفسيّة إثارةً للجدل، إذ يجمع بين الغموض العلميّ والتجربة الإنسانيّة المباشرة. يراه البعض مجرّد خدعة ذهنيّة، بينما يتعامل معه آخرون كأداة علاجيّة قادرة على التأثير في الألم، والسلوك، والاستجابات الجسديّة. وبين هذين الرأيين، يقف العلم محاولاً فهم ما يحدث فعلًا داخل الدماغ عندما يدخل الإنسان في حالة تنويم.
ما هو التنويم المغناطيسي؟
يُعرَّف التنويم المغناطيسي بأنّه حالة تركيز ذهنيّ عميق، يصبح فيها العقل أكثر تقبّلًا للإيحاءات. لا يفقد الشخص وعيه، كما لا يفقد السيطرة على أفعاله، بل يدخل في مستوى انتباه مختلف، تنخفض فيه المؤثّرات الخارجيّة ويزداد التركيز الداخلي. في هذه الحالة، يمكن للعقل أن يعيد تفسير الإحساس بالألم أو الذكريات أو حتى بعض العادات السلوكيّة.
فيديو ذات صلة
This browser does not support the video element.
ماذا يحدث في الدماغ أثناء التنويم؟
تُظهر دراسات التصوير العصبي أنّ الدماغ أثناء التنويم المغناطيسي يغيّر طريقة تواصله الداخلي. تنخفض نشاطات بعض المناطق المرتبطة بالتفكير النقديّ، بينما تنشط مناطق أخرى مسؤولة عن الخيال والإحساس. هذا التغيّر يسمح للإيحاءات بأن تصبح أكثر تأثيرًا، فيستجيب الجسد كما لو أنّ التجربة حقيقيّة، لا مجرّد فكرة عابرة.
التأثيرات الجسديّة للتنويم
يمكن للتنويم المغناطيسي أن يُخفّف الإحساس بالألم، ويؤثّر في معدّل ضربات القلب، وضغط الدم، وحتى في شدّة التشنّجات العضليّة. لذلك استُخدم في بعض الحالات الطبيّة، مثل تخفيف آلام العمليات البسيطة، أو التعامل مع الصداع المزمن، واضطرابات النوم. لا يحدث هذا التأثير بالسحر، بل عبر إعادة برمجة استجابة الجسد للإشارات العصبيّة.
هل يمكن السيطرة على الإنسان تحت التنويم؟
من أكثر الخرافات شيوعًا الاعتقاد بأنّ الشخص المنوَّم يفقد إرادته. في الواقع، لا يمكن دفع أيّ إنسان إلى فعل ما يتعارض مع قيمه أو قناعاته الأساسيّة. التنويم لا يلغي الوعي، بل يغيّر زاوية التركيز، ويجعل العقل أكثر استعدادًا لتقبّل الاقتراحات التي لا يرفضها داخليًّا.
الاستخدامات العلاجيّة والنفسيّة
استُخدم التنويم المغناطيسي في العلاج النفسيّ للمساعدة على الإقلاع عن التدخين، وتقليل القلق، والتعامل مع بعض الصدمات النفسيّة. كما يُستخدم أحيانًا لتحسين الأداء والتركيز. مع ذلك، يؤكّد المختصّون أنّه ليس حلًّا سحريًّا، بل أداة داعمة تعمل ضمن إطار علاجيّ متكامل.
خاتمة
يكشف التنويم المغناطيسي عن قدرة العقل على التأثير المباشر في الجسد بطرق تفوق التوقّعات التقليديّة. وبينما لا يزال البحث العلميّ مستمرًّا لفهم آليّاته بدقّة، فإنّ هذه الظاهرة تذكّرنا بأنّ الحدود بين النفس والجسد أقلّ صلابةً ممّا نتصوّر، وأنّ الإيحاء قد يكون أحيانًا مفتاحًا لتغيير حقيقيّ يبدأ من الداخل.