;

الخيال اليومي: كيف يصنع العقل أفكاراً مبتكرة أثناء الروتين؟

  • تاريخ النشر: منذ 3 أيام زمن القراءة: 3 دقائق قراءة آخر تحديث: منذ يومين
الخيال اليومي: كيف يصنع العقل أفكاراً مبتكرة أثناء الروتين؟

يمرّ كثيرون بلحظاتٍ مفاجئة تظهر فيها أفكارٌ جديدة أثناء القيام بأعمالٍ بسيطة؛ كغسل الأطباق، أو السير في طريقٍ مألوف، أو ترتيب المكتب. وقد تبدو هذه اللحظات غريبة؛ إذ لا يكون الإنسان منشغلاً بالتفكير العميق، ومع ذلك تبرز حلولٌ لمشكلاتٍ ظلّت عالقة لفترة طويلة. لا يحدث ذلك مصادفةً؛ بل يعكس آلية ذكية يعمل بها الدماغ عندما يهدأ ضغط التركيز المباشر.

كيف يخلق الدماغ الأفكار أثناء الروتين

نشاط شبكة التفكير التلقائي

عندما ينشغل الإنسان بمهام متكرّرة لا تتطلّب جهداً ذهنياً كبيراً، ينتقل الدماغ إلى ما يُعرف بحالة “الشرود البنّاء”. في هذه الحالة، تنشط شبكة عصبية مسؤولة عن الربط الحرّ بين المعلومات المخزّنة، فتبدأ الأفكار بالظهور دون تخطيطٍ واعٍ.

يسمح هذا النشاط بدمج تجارب مختلفة في الوقت نفسه، لأنّ العقل لا يكون مقيّداً بمهمة واحدة. ونتيجةً لذلك، تتشكّل روابط جديدة بين معلوماتٍ لم تكن متصلة سابقاً، فتظهر فكرة مبتكرة تبدو وكأنّها جاءت فجأة.

دور الاسترخاء في توسيع التفكير

يحتاج الإبداع إلى درجةٍ من الهدوء الذهني، لأنّ التوتر يحدّ من قدرة الدماغ على استكشاف الاحتمالات. وعندما يؤدي الإنسان عملاً روتينياً، ينخفض الضغط العصبي، فتزداد مرونة التفكير ويصبح العقل أكثر استعداداً لتجربة مسارات جديدة.

لهذا السبب، تظهر الأفكار المبتكرة غالباً أثناء المشي أو الاستحمام أو أداء أعمال منزلية، لأنّ هذه اللحظات تمنح الدماغ مساحةً للتحرّر من القيود التحليلية الصارمة.

الربط غير الواعي بين التجارب

لا يصنع الخيال اليومي أفكاراً من فراغ؛ بل يعتمد على مخزون الخبرات السابقة. فعندما يواجه العقل معلوماتٍ جديدة، يحاول دمجها مع تجارب قديمة بطريقةٍ غير واعية. ومع تكرار هذه العملية، تتكوّن أنماط فكرية جديدة تُترجم إلى حلولٍ مبتكرة.

تجعل هذه الآلية الروتين بيئةً مناسبة للإبداع، لأنّه يوفّر وقتاً كافياً لحدوث عمليات الربط الداخلي دون تشتيت.

مواقف حياتية تكشف قوة الخيال اليومي

يكتشف طالبٌ حلّ مسألةٍ صعبة أثناء ترتيب غرفته، لأنّ ذهنه تحرّر من ضغط التفكير المباشر. ويجد مصمّمٌ فكرة مشروعٍ جديد خلال رحلةٍ يومية متكرّرة، بعدما ربط مشاهد الطريق بتجارب عمله السابقة.

وتتوصل أمٌّ إلى طريقةٍ أسهل لتنظيم وقت أطفالها أثناء الطهي، لأنّ عقلها كان يعمل بهدوء بعيداً عن توتر التخطيط. كما يلاحظ موظّفٌ أنّ أفضل أفكاره المهنية تظهر خلال السير الصباحي، حين يترك ذهنه يتنقّل بحرية بين أفكار مختلفة.

كيف نستفيد من هذه الظاهرة في حياتنا

يساعد إدراك دور الروتين في الإبداع على تغيير نظرتنا للأعمال المتكرّرة، لأنّها ليست مضيعةً للوقت؛ بل فرصة لتنشيط التفكير الخيالي. ويمكن تعزيز هذه العملية عبر تخصيص فتراتٍ يومية للأنشطة الهادئة مثل المشي أو الكتابة الحرة.

كما يفيد تقليل التشتت الرقمي أثناء هذه اللحظات، لأنّ الصمت الذهني يسمح للأفكار بالظهور بوضوح. ويساعد تدوين الخواطر المفاجئة فور ظهورها على تحويلها إلى مشاريع قابلة للتنفيذ.

الخاتمة

يكشف الخيال اليومي أنّ الإبداع لا يحتاج دائماً إلى جلسات تفكيرٍ معقّدة؛ بل يولد أحياناً في أبسط اللحظات وأكثرها اعتياداً. وعندما نمنح عقولنا مساحةً للهدوء، نسمح لها بربط التجارب بطرقٍ غير متوقعة. فكم من فكرةٍ مميّزة قد تظهر في يومٍ عادي إذا تعلّمنا الإصغاء إلى شرودنا الذهني؟

اشترك في قناة رائج على واتس آب لمتعة الترفيه