معركة مرج دابق ونهاية دولة المماليك

  • بواسطة: بابونج تاريخ النشر: الأحد، 24 نوفمبر 2019 | آخر تحديث: الأحد، 06 فبراير 2022
مقالات ذات صلة
معركة سرشة بين الجمال في إحدى الدول الخليجية
تغريدة شاب خليجي تدفع بعض الدول للرد عليه..ومحمد هنيدي يدخل في النهاية
معركة بين قبيلتين بسبب قرد مشاغب!

تأسَّست الإمبراطورية العثمانيَّة على مدى قرونٍ عدَّة لتتحول من إمارة حدودية إلى إمبراطورية مترامية الأطراف، وفي هذا السبيل خاض العثمانيون حروباً ومعارك كثيرة مع أطراف مختلفة متحالفة أو متخاصمة.

حتَّى تمكنوا من انتزاع زعامة العالم الإسلامي الروحية والدنيوية من المماليك والعباسيين والصفويين.

وتعتبر معركة مرج دابق مرحلة فاصلة في مشوار تأسيس الدَّولة العثمانيَّة؛ فما هي الظروف التي أحاطت بمعركة مرج دابق؟ وما الأسباب التي أدَّت إلى هذه المعركة والنتائج التي ترتَّبت عليها؟

هذه الأسئلة وغيرها سنحاول أن نجيب عنها من خلال هذه المادة.

كانت دولة المماليك التي تحكم الشَّام ومصر على وشك الانهيار

لم تكن دولة المماليك في حالة جيدة أثناء صعود نجم الدَّولة العثمانيَّة، حيث لم تعد قوة المماليك كما كانت عليه عندما تصدّوا لحملات المغول وانتزعوا السلطة الفعلية من العبَّاسيين.

وعلى الرغم من إدراك المماليك لخطر التَّوسع العثماني على مناطق نفوذهم في الشَّام ومصر إلَّا أن ضعف المماليك أجبرهم على التَّحالف مع العثمانيين في معركة ديو البحريَّة الشَّهيرة بمواجهة الأسطول البرتغالي في المحيط الهندي عام 1509.

هزيمة المماليك والعثمانيين في معركة ديو Battle of Diu وضعت دولة المماليك أمام خيارات اقتصادية وعسكرية صعبة بعد خسارتها النِّهائية لتجارة الهند في ظلِّ السَّيطرة الكاملة للبرتغاليين على المحيط.

لكن بالنسبة للعثمانيين كانوا قد ربحوا خسارة المماليك وضعفهم.

مقالات ذات علاقة

مثَّلت معركة جالديران بين العثمانيين والصفويين الخطوة الأولى باتجاه مرج دابق

من سوء حظِّ المماليك أيضاً أن العثمانيين لم ينافسوهم على السِّيادة السِّياسية والعسكرية وحسب بل على السِّيادة الدينيَّة أيضاً.

فالعامَّة يرهبون القوي ويتبعونه خاصَّة عندما ينتمي إلى دينهم نفسه ويستمد قوته من الجهاد المقدس، وهذا ما كان مع السلطان محمد الفاتح.

تمكَّن محمد الفاتح من إنهاء عهد الإمبراطورية البيزنطية بعد حصارٍ دام 54 يوماً وانتهى في التَّاسع والعشرين من أيار/مايو عام1453، وحقَّق بذلك نقلة نوعية للإمبراطورية العثمانيَّة فقد أصبح الطَّريق أمامها مفتوحاً بكل الاتجاهات.

كما تمكَّن السُّلطان محمد من ترسيخ صورة الفاتح في أذهان المسلمين تمهيداً لانتزاع السُّلطة الروحية من المماليك والعبَّاسيين.

فعلياً كانت دولة المماليك أضعف من أن تصمد في أتون الصراع بين العثمانيين والصفويين الذي بلغ أوجه في معركة جالديران Battle of Chaldiran في آب/ أغسطس عام1514.

فبات انهيار دولة المماليك أمراً لا مفر منه، وهنا جاءت معركة مرج دابق لتحسم التوتر بين العثمانيين والمماليك.

حرصاً على التمييز بين المعارك المذكورة في هذه المادة نورد لكم تسلسلها التاريخي وأطرافها:

  1. معركة ديو البحرية عام 1509، بين البرتغاليين من جهة والمماليك والعثمانيين من جهة أخرى؛ وكان النَّصر من نصيب البرتغاليين.
  2. معركة جالديران عام1514، بين الصفويين بقيادة الشَّاه اسماعيل الأول والدَّولة العثمانيَّة بقيادة السُّلطان سليم الأول؛ حيث انتصر العثمانيون في هذه المعركة.
  3. معركة مرج دابق عام1516، بين العثمانيين في عهد سليم الأول والمماليك في الشام بقيادة قانصوه الغوري، وهي موضوع مادتنا هذه.
  4. معركة الريدانية عام1517 بين المماليك في مصر بقيادة طومان باي والعثمانيين بقيادة سليم الأول؛ وكانت نهاية دولة المماليك.

أسباب معركة مرج دابق

  • لم تكن علاقة العثمانيين بالمماليك بأحسن حالاتها كما ذكرنا، لكن موقف المماليك من حرب الصَّفويين والعثمانيين وضعهم في خانة الأعداء، حيث أعلن المماليك الحياد في هذه الحرب لكنهم مالوا سراً إلى الصَّفويين، فضبط العثمانيون مراسلات بين قانصوه الغوري سلطان المماليك والشَّاه اسماعيل قبيل معركة جالديران.
  • كما أنَّ سلطان المماليك قانصوه الغوري اتخذ موقفاً عدائياً من السُّلطان العثماني سليم الأول عبَّر عنه من خلال استقباله لمعارضي السُّلطان العثماني وعلى رأسهم شقيقه أحمد.
  • كما يبدو أنَّ السُّلطان سليم الأول شعر أنَّ وجود المماليك على حدود الدَّولة أمرٌ خطير خاصَّة وأنَّهم يميلون إلى الصَّفويين، فضلاً عن وجود خلافات حول المناطق الحدودية بين الطَّرفين.
  • إضافة إلى هذا كلِّه فقد وجد العثمانيون أن المماليك لقمة سائغة لن تأخذ منهم كثيراً من العناء، خاصَّة وقد أمنت حدودها الشَّرقية من خطر الشَّاه وجيشه.
  • كما لعب وجهاء حلب دوراً مهماً في معركة مرج دابق، حيث أرسلوا للسُّلطان سليم خطاباً يعلنون من خلاله تأييدهم الكامل له، بل ورغبتهم بقدومه لتخليصهم من ظلم الشَّركس (المماليك)، وهذه الوثيقة محفوظة في متحف طوب كابي التركي برقم 11634.

لم تدم معركة مرج دابق أكثر من ثماني ساعات كانت كفيلة بتدمير قوة المماليك

جهَّز السلطان سليم الأول حملة عسكرية كبيرة للقضاء على المماليك، وكان من الواضح أن أهداف الحملة لم تكن تأديبية بل كان نيَّة السَّلطنة أن تتخلص من المماليك إلى الأبد، وهذا ما حدث فعلاً.

بدأت المعركة في منطقة مرج دابق شمال حلب في الثامن من آب/ أغسطس من عام 1516، أي بعد عامين تقريباً على معركة جالديران التي ساهمت في اتخاذ قرار القضاء على المماليك.

وعلى الرغم من قصر زمن معركة مرج دابق إلا أنَّها كانت حاسمة وفاصلة.

استمر القتال لمدَّة ثماني ساعات انتهت فعلياً بمقتل سلطان المماليك قانصوه الغوري وانهيار جيشه بشكل كامل، حيث لعب القائد المملوكي خاير بك دوراً رئيسياً في هذه الهزيمة عندما انقلب على سلطانه لصالح العثمانيين.

ومع نهاية المعركة أصبح الطريق مفتوحاً أمام السُّلطان سليم إلى الشَّام والقدس ثم مصر قاعدة المماليك الأخيرة ومقر الخلافة العباسية الاسمية.

أسباب انهيار المماليك في معركة مرج دابق

  • بالدرجة الأولى تمتع العثمانيون بتفوُّق عسكري كبير من حيث العدَّة والعتاد، فيما لم يتمكن المماليك من مجاراة الأسلحة النارية والمدافع التي امتلكها جيش سليم الأول، وحتَّى على صعيد التخطيط والتنظيم العسكري كان العثمانيون قد سبقوا المماليك بأشواطٍ كبيرة فهم فاتحو القسطنطينية.
  • إن صراع المماليك مع العثمانيين كان صراع العجوز مع الشَّاب، فالدَّولة العثمانيَّة كانت في أوج قوتها وتوسُّعها فيما كانت دولة المماليك تحمل إرثاً ثقيلاً من التوترات والانقسامات والضَّعف.
  • كما مثَّلت الخيانة التي تعرض لها قانصوه الغوري من والي حلب المملوكي خاير بيك الشَّعرة التي قسمت ظهر البعير، فكان انضمام خاير بك للعثمانيين بمثابة انهيار للقوة المملوكية في معركة مرج دابق.
  • ولا ننسى أنَّ الأهالي كانوا قد أيدوا السُّلطان سليم الأول سلفاً وأعلنوا ولاءهم له، فدخل حلب مدعوماً من علمائها ومشايخها.

نتائج معركة مرج دابق

  • النتيجة المباشرة لمعركة مرج دابق كانت هزيمة المماليك وانتهاء عهدهم في الشَّام، إضافة إلى موت سلطانهم قانصوه الغوري في المعركة عن عمر ناهز السادسة والستين، فانتقلت السَّلطنة لابنه طومان باي الذي كان نائبه على مصر.
  • أصبحت حلب ثم الشَّام من ولايات الدَّولة العثمانيَّة، ثم تابع العثمانيون زحفهم إلى القدس ثمَّ غزَّة، حتى اشتبكوا مع المماليك مجدداً في معركة الريدانية في الثاني والعشرين من كانون الثاني/يناير من عام 1517، وانتهت هذه المعركة بالقبض على طومان باي وإعدامه، وفرض السَّيطرة العثمانيَّة على مصر.
  • كانت سيطرة العثمانيين على حلب ودمشق والقدس ثم على مصر باباً أمام سيطرتهم على الحجاز، حيث قام شريف مكَّة بركات بن محمد بإرسال مفاتيح الكعبة إلى السُّلطان سليم، وكان هذا الأخير قد دعي باسم "خادم الحرمين الشريفين" منذ دخوله حلب.
  • لم تعد الدَّولة العثمانيَّة دولة قوية وحسب، بل أصبحت إمبراطورية مترامية الأطراف تمتد في جميع الاتجاهات، وقد حاربت أعظم الإمبراطوريات في ذلك الزمان وتمكنت من الانتصار عليهم.

أخيراً... كان السلطان سليم الأول يعلم تماماً أنَّ التخلص من سلطة المماليك مرحلة رئيسية في بناء الدولة العثمانية المنشودة، لكن العثمانيين أحسنوا معاملة من بقي من أمراء المماليك دون أن يسمحوا لهم بالاقتراب من الجيش أو الدولة وتعاملوا معهم كزعامات شعبية.

وفي عام 1811 قام محمد علي باشا عندما كان والياً على مصر بالتخلص من باقي أمراء المماليك من خلال مذبحة القلعة لأنَّه علم أنَّها مرحلة رئيسية لتأسيس الدولة التي حلم بها.

ربما لأنَّ للمماليك تاريخ حافل بالاستيلاء على السُّلطة ونقل البندقية من كتف إلى آخر!.