لماذا نُسيء تقدير قدراتنا أحياناً؟ حين يخدعنا شعور الثقة بالنفس
يعتقد كثير من الناس أنهم يعرفون حدود قدراتهم بدقة، لكن الواقع يكشف أن الإنسان يميل أحياناً إلى المبالغة في تقدير مهاراته أو التقليل منها دون وعي. فقد يشعر شخص بأنه قادر على إنجاز مهمة بسهولة، ثم يكتشف أنها أكثر تعقيداً مما تصور، بينما قد يمتلك آخر مهارات عالية لكنه يشك في قدرته على النجاح. هذه الظاهرة ترتبط بطريقة عمل العقل حين يقيّم ذاته وتجاربَه.
كيف يصنع العقل صورة عن الذات
يبني الدماغ تصوراً مستمراً عن قدرات الإنسان اعتماداً على خبراته السابقة، وردود فعل الآخرين، والنجاحات أو الإخفاقات التي مرّ بها. لكن هذه الصورة ليست موضوعية بالكامل؛ فهي تتأثر بالمشاعر والذكريات والانطباعات السريعة.
فيديو ذات صلة
This browser does not support the video element.
فعندما ينجح الإنسان في عدة تجارب متشابهة، يبدأ عقله في تعميم هذا النجاح على مواقف مختلفة، حتى لو كانت تتطلب مهارات جديدة. وعلى العكس، قد تؤدي تجربة فشل واحدة إلى تقليل الثقة بالنفس لفترة طويلة.
وهم المعرفة والشعور بالسيطرة
يميل العقل إلى الإحساس بأنه يفهم الأمور أكثر مما يفعل فعلاً. فعندما يطّلع الإنسان على معلومات عامة حول موضوع ما، قد يشعر بأنه أصبح خبيراً فيه، رغم أن معرفته لا تزال سطحية. هذا ما يُعرف بوهم المعرفة، حيث يخلط الدماغ بين الإلمام بالمعلومات وبين القدرة على تطبيقها عملياً.
كما يرتبط هذا الشعور بوهم السيطرة، إذ يميل الإنسان إلى الاعتقاد بأنه قادر على التحكم في النتائج أكثر مما تسمح به الظروف الواقعية.
تأثير المقارنة بالآخرين
يتأثر تقييم الذات أيضاً بالمقارنة الاجتماعية. فعندما يقارن الإنسان نفسه بمن هم أقل خبرة، يشعر بارتفاع ثقته وقد يبالغ في تقدير قدراته. أما عندما يقارن نفسه بمن هم أكثر كفاءة، فقد يشعر بالعجز رغم امتلاكه مهارات جيدة.
هذه المقارنات لا تعكس دائماً الواقع، لكنها تؤثر بقوة على صورة الإنسان عن نفسه.
دور الذاكرة الانتقائية
لا يتذكر العقل جميع التجارب بالقدر نفسه؛ فهو يميل إلى الاحتفاظ بالنجاحات أو الإخفاقات البارزة أكثر من غيرها. إذا ركّزت الذاكرة على النجاحات فقط، قد يتولد شعور مبالغ فيه بالثقة. وإذا ركزت على الإخفاقات، قد ينشأ شعور دائم بالتردد والخوف من المحاولة.
هذه الانتقائية تجعل تقييم الذات عملية غير دقيقة في كثير من الأحيان.
كيف يوازن الإنسان ثقته؟
يصبح التقييم أكثر دقة عندما يجمع الإنسان بين الثقة والتغذية الراجعة الواقعية. فالتجارب العملية، والنقد البنّاء، ومحاولة التعلم المستمر، كلها تساعد الدماغ على تعديل صورته عن القدرات الحقيقية.
كما يساعد الوعي بوجود هذا الانحياز في تقليل تأثيره؛ فمجرد إدراك أن العقل قد يبالغ أو يقلل من تقدير الذات يمنح الإنسان قدرة أكبر على المراجعة الموضوعية.
الخلاصة
لا تعكس ثقة الإنسان بقدراته دائماً مستوى مهاراته الفعلية، بل تتأثر بآليات نفسية مثل وهم المعرفة، والمقارنة الاجتماعية، والذاكرة الانتقائية. فهم هذه العوامل يساعدنا على بناء صورة أكثر واقعية عن أنفسنا، ويجعل الثقة أداة للنمو بدلاً من أن تكون مصدراً للوهم أو التردد.