سرطان القولون المبكر… لغز متصاعد بين الشباب ونمط الحياة في دائرة الاتهام
تشهد معدلات الإصابة بسرطان القولون والمستقيم ارتفاعًا ملحوظًا بين فئة الشباب في عدد من الدول الصناعية، بينها ألمانيا وسويسرا، ما يثير قلق الأوساط الطبية ويدفع نحو تعزيز التوعية والوقاية المبكرة.
مبادرة طلابية تمزج الطهي بالوعي الصحي
وفي هذا السياق، أطلقت طالبات في جامعة ميونيخ التقنية مبادرة بعنوان "Science Snack" (وجبة علمية خفيفة)، تهدف إلى نشر الوعي بين الشباب عبر أمسيات طهي تفاعلية تجمع بين المعرفة العلمية والتطبيق العملي.
وبحسب ما أورده موقع "إذاعة بافاريا" (بايرشه روندفونك) بجنوب ألمانيا، تركز المبادرة على أهمية التغذية الصحية، خاصة الأنظمة النباتية والأطعمة المخمّرة، في دعم صحة الأمعاء وتقليل مخاطر الإصابة بسرطان القولون.
وتوضح آنا فورمان، طالبة ماجستير في التكنولوجيا الحيوية الجزيئية، أن فكرة المشروع نشأت خلال ندوة عن التواصل العلمي، وقالت: "نسعى إلى تبسيط التوعية بالأعراض وسبل الوقاية من خلال تجربة طهي ممتعة ومريحة، تسلط الضوء أيضًا على فوائد التخمر والنظام الغذائي النباتي لصحة الأمعاء."
وتأتي هذه المبادرة في ظل تزايد ملحوظ في إصابات سرطان القولون بين الشباب، ليس فقط في الولايات المتحدة بل في عدة دول صناعية. ففي ألمانيا وحدها، يُسجل نحو 56 ألف حالة سنويًا، ويشكّل الشباب قرابة 5% منها، ما يعزز الحاجة إلى تكثيف جهود التوعية والوقاية لهذه الفئة.
خطوات تحمي من سرطان القولون
وبناءً على نتائج دراسة حديثة، يوصي "المركز الألماني لأبحاث السرطان" (DKFZ) الشباب بضرورة مراجعة الطبيب عند ظهور الأعراض بسرعة. كما يجب تحديد الفئات المعرضة للخطر (مثل من لديهم تاريخ عائلي) بشكل دقيق وتقديم الفحوصات الوقائية لهم.
ويقدم الموقع خمسة نصائح لتقليل خطر سرطان القولون: تقليل الوزن الزائد ودهون البطن، ممارسة الرياضة بانتظام، تناول أطعمة غنية بالألياف: مثل الخضروات والحبوب الكاملة والبقوليات، تقليل اللحوم الحمراء والمصنّعة ، تقليل الكحول والامتناع عن التدخين.
أسباب محتملة للإصابة بسرطان القولون
وتشير الدراسات إلى أن السمنة في سن المراهقة أو بداية البلوغ تزيد خطر الإصابة المبكرة بسرطان القولون.
ومن الأسباب المحتملة: التهابات مزمنة في الأمعاء، تغيرات في الدم ، كما أن النظام الغذائي يؤثر على الميكروبيوم (بكتيريا الأمعاء). ويقول خبير التغذية ديرك هالر: "قليلون يدركون أن الوقاية ممكنة من خلال الغذاء." ورغم أن علم الميكروبيوم لا يسمح بعد بتوصيات غذائية فردية دقيقة، فإن دراسة عام 2025 أظهرت أن: التوتر المزمن يؤدي إلى تنشيط دائم لبروتين واقٍ في خلايا الأمعاء هذا يغير أيض الدهون ويؤثر سلبًا على بكتيريا الأمعاء مما يؤدي إلى تكوين "ميكروبيوم ورمي" قد يزيد خطر السرطان.
التخمر بدل الوجبات السريعة
خلال أمسيات "Science Snack"، يقدم الطلاب عروضًا قصيرة حول ميكروبيوم الأمعاء ويشرحون أحدث الأبحاث، إضافة إلى أعراض المرض وطرق الوقاية. وفي محطات التخمر، يتعلم المشاركون كيفية تحضير مشروب "الكفير المائي"، وتجهيز الخضار أو الفواكه المخمّرة.
وتوضح فورمان: "نستخدم الملح لاستخراج الماء من البطيخ، ثم تقوم بكتيريا حمض اللاكتيك بعملية التخمر." بعد بضعة أيام في درجة حرارة الغرفة يصبح الطعام جاهزًا، وتتحول الفجلات المخمرة إلى اللون الوردي الزاهي.
انتشار سرطان القولون بين الأقل من 50 عاما
وأظهرت بيانات حديثة ارتفاع عدد حالات سرطان القولون والمستقيم بين الشباب في ألمانيا، إلا أن الزيادة تبقى أقل وضوحا مما هو مسجل في الولايات المتحدة.
ويتركز الارتفاع بشكل خاص بين الفئة العمرية من 20 إلى 39 عاما، لا سيما بين من تتراوح أعمارهم بين 20 و29 عاما، بحسب دراسة نشرت في دورية "إنترناشونال جورنال أوف كانسر" المتخصصة.
وأشار الباحثون إلى أن جزءا كبيرا من الزيادة يتعلق بأورام صغيرة أو أقل عدوانية وتتمتع بفرص علاج أفضل نسبيا. كما رأوا أن خفض سن بدء الفحص المبكر لسرطان القولون، المحدد حاليا عند 50 عاما، لا يبدو مبرَرا في الوقت الراهن.
جدل حول خفض سن الفحوصات
واتفق خبراء لم يشاركوا في الدراسة مع هذا التقييم، من بينهم توماس زويفرلاين من المستشفى الجامعي في مدينة أولم الألمانية، الذي أكد ضرورة مواصلة مراقبة البيانات من أجل تعديل برامج الفحص في الوقت المناسب إذا استدعت الحاجة ذلك.
كما اعتبر كريستيان بوكس من مؤسسة "سانت يوزف" في مدينة بريمن الألمانية أن تعديل سن الفحص غير ضروري حاليا، محذرا من تراجع فعالية البرنامج وارتفاع تكاليفه، وقال: "يمكن تحقيق أثر أكبر بكثير إذا ارتفعت نسبة مشاركة المؤهلين للفحص المبكر من الأشخاص الذين تفوق أعمارهم 50 عاما".
من السمنة إلى التشخيص المتأخر: أسباب انتشار سرطان القولون المبكر
ولا تزال الأسباب الدقيقة وراء ارتفاع الإصابات غير واضحة، بحسب فريق البحث بقيادة سفين فويغتلندر من سجل السرطان في ولاية بافاريا الألمانية وهيلتراود كايوتر من سجل السرطان في ولاية شمال الراين-ويستفاليا الألمانية.
ورجح الباحثون وجود ارتباط بتغيرات في أنماط الحياة منذ خمسينيات القرن الماضي، من بينها السمنة في الطفولة والمراهقة، واستخدام المضادات الحيوية، وقلة الحركة، وسوء التغذية، وتقنيات الإنجاب الحديثة التي قد تؤدي إلى تغيرات فسيولوجية أو أيضية في مراحل مبكرة من العمر وتؤثر في ميكروبيوم الأمعاء.
وأوضح الخبراء أن أمراض الأمعاء ترتبط عموما بعوامل مثل قلة النشاط البدني وسوء التغذية. وتعد السمنة حالة من الالتهاب المزمن، وتعتبر السبب الأكثر ترجيحا لارتفاع حالات سرطان القولون والمستقيم المبكر (EO-CRC). ويُقصد بهذا المصطلح الأورام التي تصيب القولون أو المستقيم ويجرى تشخيصها قبل بلوغ المريض سن الخمسين.
ورصدت دراسة في سويسرا ارتفاع معدلات الإصابة بسرطان القولون والمستقيم للبالغين تحت سن خمسين عاما، مع تراجع معدلات الإصابة بالنسبة للأشخاص الأكبر سناً.
وتوصلت الدراسة التي نشرتها الدورية العلمية European Journal of Cancer المتخصصة في أبحاث السرطان إلى انتشار المرض بصفة خاصة لدى الأشخاص تحت سن ثلاثين عاما، مع تأخر تشخيص السرطان في معظم الأحيان، مما يؤكد الحاجة إلى زيادة التوعية بالأعراض والعوامل التي تزيد من احتمالات الإصابة بالمرض.
وتشير دراسات منظمة الصحة العالمية إلى أن أكثر من 9.1 مليون شخص تم تشخيص إصابتهم بسرطان القولون خلال عام 2022، وأن قرابة 900 ألف شخص فارقوا الحياة بسببه. وتوجد أعلى معدلات الإصابة بسرطان القولون والمستقيم في أوروبا وأستراليا ونيوزيلندا، فيما توجد أعلى معدلات للوفاة جراء الإصابة بالمرض في شرق أوروبا.
ويقول الطبيب جيريمي ماير اخصائي الجراحة في كلية الطب بجامعة جنيف: "تتزايد معدلات الإصابة حاليا بين الأشخاص في عمر الثلاثينيات دون وجود عوامل وراثية أو شخصية للمرض، وكثيرا ما يتم تشخيص المرض في مرحلة متأخرة بعد أن تكون الانبثاثات قد تكونت بالفعل".
وشملت الدراسة تحليل 96410 الف حالة إصابة بسرطان القولون والمستقيم تم تشخيصها خلال الفترة ما بين 1980 و2021 من واقع سجلات الهيئة الوطنية لتسجيل السرطان في سويسرا. وتبين أن المرضى الذين تم تشخيص إصابتهم بسرطان القولون تحت سن الخمسين يمثلون 1.6% من إجمالي الحالات، وأن هذه النسبة كانت تتزايد بواقع 5.0% كل عام، حتى وصلت إلى حوالي سبع حالات بين كل 100 ألف نسمة.
أما في الفئة العمرية ما بين 50 و74 عاما، فقد تلاحظ تراجع معدلات الإصابة بالمرض بنسبة 7.1% لدى الرجال و2.8% لدى السيدات. وأكد الباحثون في تصريحات للموقع الإلكتروني "سايتيك ديلي" المتخصص في الابحاث العلمية أن الانتباه مبكراً لمؤشرات الإصابة بالمرض مثل أوجاع البطن المستمرة، والدم في البراز، وتغيرت عادات الهضم، وخسارة الوزن بدون أسباب واضحة، قد يساعد في تحسين فرص الشفاء لدى المرضى.