دار أزياء تصنع أكياس جثث لضحايا زلزالي فنزويلا
في أوقات الكوارث، قد تتحول المهن والأنشطة اليومية إلى أدوات لإنقاذ الأرواح أو مساندة المتضررين. وفي فنزويلا، دفعت المأساة الإنسانية التي خلفها الزلزالان المدمران اللذان ضربا البلاد في أواخر يونيو، إحدى دور الأزياء إلى اتخاذ قرار استثنائي، حيث أوقفت إنتاج الفساتين والملابس الأنيقة، وبدأت في تصنيع أكياس الجثث لمساندة فرق الإنقاذ التي واجهت نقصًا حادًا في هذه المستلزمات.
وتحولت ورشة الأزياء، التي اعتادت على تصميم الملابس الراقية، إلى خط إنتاج يعمل على مدار الساعة لتلبية الاحتياجات العاجلة في واحدة من أسوأ الكوارث الطبيعية التي شهدتها فنزويلا خلال العقود الأخيرة، وفقًا لما أوردته وكالة رويترز.
زلزالان دمرا مناطق واسعة
في 24 يونيو، تعرضت فنزويلا لزلزالين قويين بلغت شدتهما 7.2 و7.5 درجات على مقياس ريختر، ووقعا بفارق زمني لا يتجاوز ثوانٍ معدودة، ما أدى إلى انهيار مئات المباني السكنية وتضرر الطرق وشبكات الكهرباء والمياه، خاصة في ولاية لا غوايرا والمناطق القريبة من العاصمة كاراكاس.
وسارعت فرق الإنقاذ إلى البحث عن ناجين تحت الأنقاض، بينما استقبلت المستشفيات آلاف المصابين في ظل ظروف استثنائية، ومع استمرار عمليات البحث ارتفع عدد الضحايا تدريجيًا، ليتجاوز 4700 قتيل، فيما بقي آلاف الأشخاص في عداد المفقودين، بحسب أحدث البيانات التي نقلتها رويترز.
مصمم أزياء يستبدل الفساتين بأكياس الجثث.. ما السبب؟ https://t.co/7TkJyVzcDK
— CNN بالعربية (@cnnarabic) July 14, 2026
من تصميم الفساتين إلى أكياس الجثث
وسط هذه المأساة، وجد مصمم الأزياء الفنزويلي إفراين موغوليون نفسه أمام واقع مختلف تمامًا عن عالم الموضة الذي اعتاد عليه.
فعندما علم بوجود نقص كبير في أكياس الجثث التي تحتاجها فرق الإنقاذ والمشارح، قرر إيقاف العمل في إنتاج الملابس، وتحويل ورشته بالكامل إلى تصنيع أكياس الجثث باستخدام مادة البولي إيثيلين السوداء.
ويعمل في الورشة أكثر من عشرين خياطًا وفنيًا، كانوا حتى أيام قليلة يصنعون الفساتين المزينة بالألوان والزخارف، قبل أن تتحول ماكينات الخياطة نفسها إلى إنتاج مستلزمات تستخدم في عمليات انتشال الضحايا.
مهمة إنسانية صعبة
لم يكن التحول سهلًا على العاملين داخل الورشة، إذ وصف العديد منهم التجربة بأنها من أصعب اللحظات التي مروا بها.
وقالت الخياطة ماري كاستيو، في تصريحات نقلتها وكالة رويترز، إنها اعتادت طوال سنوات على خياطة الملابس الخاصة بالمناسبات السعيدة، لكن الواقع فرض عليهم اليوم المساهمة في عمل مختلف تمامًا.
وأضافت أن المهمة مؤلمة نفسيًا، لكنها شعرت بأن ما يقومون به واجب إنساني تجاه الضحايا وأسرهم في ظل الأزمة التي تمر بها البلاد.
أما موغوليون، فأوضح أن صناعة أكياس الجثث تختلف تمامًا عن تصميم الأزياء، لكنه أكد أن فريقه شعر بأن بإمكانه تقديم خدمة حقيقية للمجتمع في وقت أصبحت فيه كل مساهمة مهمة.
دعم مباشر لفرق الإنقاذ
بعد الانتهاء من تصنيع الأكياس، تُنقل مباشرة إلى سيارات الإسعاف وفرق الإنقاذ العاملة في المناطق الأكثر تضررًا، وعلى رأسها مدينة كاتيا لا مار، التي شهدت دمارًا واسعًا نتيجة الزلزالين.
وتتميز الأكياس بأنها مصنوعة من مواد متينة تتحمل ظروف النقل، كما تحمل السحابات المعدنية نقشًا لصورة السيد المسيح، في إشارة رمزية تهدف إلى منح الضحايا قدرًا من الكرامة ومواساة أسرهم في بلد يشكل الدين جزءًا مهمًا من ثقافته.
تضامن شعبي واسع
ولم تكن دار الأزياء الوحيدة التي غيرت طبيعة عملها بعد الكارثة، إذ شهدت فنزويلا موجة تضامن كبيرة، حيث شارك آلاف المتطوعين في إزالة الأنقاض، بينما تبرعت شركات محلية بالمياه والأغذية والأدوية والملابس، كما أقيمت مراكز إيواء مؤقتة لاستقبال الأسر التي فقدت منازلها.
كما انضمت فرق إنقاذ ومتخصصون من خارج البلاد للمساعدة في عمليات البحث، إلا أن حجم الدمار جعل الاحتياجات الإنسانية أكبر بكثير من الإمكانات المتاحة.
أهمية أكياس الجثث في الكوارث
ورغم أن الحديث عن أكياس الجثث قد يبدو صادمًا، فإنها تُعد من الأدوات الأساسية في إدارة الكوارث الكبرى، إذ تساعد فرق الإنقاذ على نقل الضحايا بطريقة تحفظ كرامتهم، وتُسهل عمليات التعرف على الهويات وإجراء الفحوصات الجنائية قبل الدفن.
وفي الكوارث التي تشهد أعدادًا كبيرة من الضحايا، غالبًا ما تنفد المخزونات المخصصة للطوارئ خلال وقت قصير، وهو ما يفرض الحاجة إلى تصنيع كميات إضافية بشكل عاجل.
نموذج للتكيف وقت الأزمات
وتبرز قصة دار الأزياء الفنزويلية كيف يمكن للمؤسسات الخاصة أن توظف إمكاناتها لخدمة المجتمع في أوقات الأزمات، حتى وإن كان ذلك بعيدًا تمامًا عن نشاطها الأساسي.
فكما تحولت مصانع عديدة حول العالم خلال جائحة كورونا إلى إنتاج الكمامات وأجهزة الوقاية، اختارت هذه الدار استخدام خبرتها في الخياطة والتصنيع لتلبية حاجة إنسانية ملحة فرضتها الكارثة.
ورغم أن العاملين يأملون في العودة قريبًا إلى تصميم الفساتين والملابس، فإنهم يؤكدون أن أولويتهم الحالية هي دعم فرق الإنقاذ ومساعدة العائلات التي فقدت أحبّاءها.
وتبقى قصة هذه الورشة مثالًا على أن التضامن لا يقتصر على فرق الإنقاذ أو المؤسسات الحكومية، بل يمكن أن يأتي أيضًا من ورشة أزياء قررت أن تغير مسار إنتاجها بالكامل، لتقدم مساهمة إنسانية في واحدة من أصعب اللحظات التي مرت بها فنزويلا.