المتاهات الزمنيّة: أشخاص يضلّون في أماكن يشعرون أنّ الوقت فيها متغيّر

  • تاريخ النشر: الجمعة، 23 يناير 2026 زمن القراءة: دقيقتين قراءة | آخر تحديث: منذ ساعة
مقالات ذات صلة
المتاهات الزمنية: حين ينحرف الزمن وتتشوّه إدراكنا للأماكن
الأنهار الزمنية: مناطق يعتقد أنها تتغير فيها سرعة مرور الزمن
المرايا الزمنية: ظواهر تجعل الأشخاص يرون أنفسهم في أزمنة مختلفة

تتكرّر، في ثقافات متباعدة جغرافيّاً، روايات غامضة عن أشخاص دخلوا أماكن عاديّة ظاهريّاً، ثم خرجوا منها وهم يشعرون أنّ الزمن لم يمرّ بالطريقة المعتادة. لا تتحدّث هذه القصص عن السفر عبر الزمن كما في الخيال العلمي، بل عن اختلال غريب في الإحساس بالوقت، يجعل الدقائق تبدو ساعات، أو الساعات تمرّ كأنّها لحظات خاطفة.

ما المقصود بالمتاهة الزمنيّة؟

لا تشير المتاهة الزمنيّة إلى بناء ماديّ محدّد، بل إلى فضاء مكانيّ يشعر فيه الإنسان بانفصال غير مفسَّر عن الإيقاع الزمنيّ الطبيعي. يدخل الشخص هذا المكان وهو مدرك للوقت، ثم يفقد القدرة على تقديره بدقّة، ليخرج لاحقاً وهو غير متأكّد كم مكث داخله. وقد ارتبط هذا المفهوم بمناطق طبيعيّة معزولة، أو مبانٍ قديمة، أو أماكن شهدت أحداثاً تاريخيّة مكثّفة.

فيديو ذات صلة

This browser does not support the video element.

شهادات أشخاص عادوا بزمن مختلف

روى بعض المتجوّلين أنّهم دخلوا غابات أو طرقاً ريفيّة قصيرة، ليكتشفوا لاحقاً أنّ ساعات طويلة قد مرّت دون أن يشعروا بها. وفي حالات أخرى، شعر أشخاص بأنّهم أمضوا وقتاً طويلاً داخل مكان معيّن، بينما تشير الساعات الخارجيّة إلى مرور دقائق فقط. تكرار هذه الشهادات، مع اختلاف الخلفيّات والثقافات، جعل الظاهرة محلّ تساؤل حقيقيّ لا مجرّد حكايات فرديّة.

الأماكن التي يتغيّر فيها الإحساس بالزمن

ترتبط المتاهات الزمنيّة غالباً بأماكن ذات طبيعة خاصّة، مثل الكهوف، والغابات الكثيفة، والممرّات الجبليّة، أو المواقع المهجورة. في هذه البيئات، يضعف الإحساس بالمحفّزات الزمنيّة المعتادة، كحركة الشمس أو الضجيج البشريّ، ما يجعل العقل أكثر عرضة لفقدان الإحساس بالتتابع الزمنيّ. غير أنّ بعض الروايات تشير إلى حدوث الظاهرة في أماكن حضريّة مأهولة، ما يزيد غموضها.

التفسير النفسيّ لاختلال الزمن

يرى علماء النفس أنّ العقل البشريّ لا يقيس الزمن بشكل موضوعيّ، بل يربطه بدرجة الانتباه والتوتّر والحالة العاطفيّة. عند الدخول في حالة تركيز شديد أو قلق غير واعٍ، قد يختلّ إدراك الوقت، فيبدو أطول أو أقصر ممّا هو عليه فعليّاً. وفي البيئات غير المألوفة، يعزّز هذا التأثير الشعور بالضياع، فيتحوّل المكان إلى ما يشبه المتاهة الزمنيّة الداخليّة.

هل للفيزياء رأي آخر؟

من منظور الفيزياء، يخضع الزمن لقوانين دقيقة، لكنّ نظريّات حديثة تشير إلى أنّ إدراكه قد يتأثّر بالظروف المحيطة، مثل العزلة الحسيّة أو التغيّرات المفاجئة في المجال المكانيّ. ورغم عدم وجود دليل علميّ على وجود “جيوب زمنيّة” بالمعنى الحرفيّ، فإنّ هذه الفجوة بين الزمن الفيزيائيّ والزمن المُدرَك تترك مساحة واسعة للتأويل.

بين الواقع والتجربة الإنسانيّة

لا تثبت المتاهات الزمنيّة أنّ الزمن نفسه يتغيّر، بقدر ما تكشف هشاشة إدراكنا له. فالإنسان لا يعيش الزمن كرقم ثابت، بل كتجربة شعوريّة تتأثّر بالمكان، والحالة النفسيّة، والذاكرة. وعندما تتداخل هذه العوامل، يبدو الوقت وكأنّه فقد انتظامه، فيترك أثراً عميقاً في ذاكرة من مرّوا بهذه التجربة.

لماذا تبقى هذه القصص حيّة؟

تستمرّ حكايات المتاهات الزمنيّة لأنّها تمسّ سؤالاً وجوديّاً عميقاً حول علاقتنا بالوقت. نحن نقيسه بالساعات، لكنّنا نعيشه بالمشاعر. وبين القياس والتجربة، تظهر فجوات غامضة تجعل بعض الأماكن تبدو وكأنّها تخرج عن قوانين الزمن، ولو داخل وعينا فقط.