العيون التي تتذكّر كلّ ما تراه: عندما تتحوّل الرؤية إلى ذاكرة خارقة
تبدو القدرة على تذكّر كلّ ما تقع عليه العين أقرب إلى الخيال العلمي، غير أنّ العلم وثّق حالات نادرة لأشخاص يمتلكون ذاكرة بصريّة استثنائيّة، تجعل الصورة لا تمرّ مروراً عابراً، بل تُحفَظ بتفاصيلها الدقيقة كما لو كانت محفورة في الذهن. لا يقتصر الأمر على تذكّر الوجوه أو الأماكن، بل يمتدّ إلى الألوان، والزوايا، والنصوص، وحتى المشاهد العابرة التي لا يلتفت إليها العقل عادةً.
ما الذاكرة البصريّة الخارقة؟
تُعرَف هذه القدرة في بعض الأوساط العلميّة باسم الذاكرة الفوتوغرافيّة أو الذاكرة الأيقونيّة الممتدّة، وهي حالة نادرة يستطيع فيها الشخص استرجاع صورة ذهنيّة دقيقة لما رآه سابقاً، دون جهد واعٍ. لا يتعامل الدماغ هنا مع الرؤية كإحساس لحظيّ، بل يحوّلها مباشرةً إلى مخزون ثابت من المعلومات البصريّة.
فيديو ذات صلة
This browser does not support the video element.
كيف يختبر أصحاب هذه القدرة العالم؟
يصف أصحاب الذاكرة البصريّة الخارقة العالم من حولهم كأرشيف مفتوح من الصور. فعند استدعاء ذكرى معيّنة، لا يتذكّرون الفكرة العامّة للمشهد، بل يعود المشهد بكامل تفاصيله، كما لو أنّهم ينظرون إليه مرّة أخرى. هذا النوع من التذكّر يجعل القراءة، والتعلّم، وحتى التنقّل في الأماكن المألوفة تجربة مختلفة تماماً.
الدماغ حين يرى أكثر ممّا نرى
تشير الدراسات العصبيّة إلى أنّ هذه القدرة قد ترتبط بنشاط غير اعتياديّ في المناطق المسؤولة عن الرؤية والذاكرة في الدماغ. ففي حين يصفّي الدماغ لدى أغلب الناس جزءاً كبيراً من المعلومات البصريّة لتجنّب الإرهاق، يبدو أنّ هذا الفلتر أقلّ صرامة لدى أصحاب هذه القدرة، ما يسمح بتخزين كمّ هائل من التفاصيل.
بين الموهبة والعبء النفسيّ
ورغم الإعجاب الذي تثيره هذه القدرة، فإنّها لا تُعدّ نعمة خالصة دائماً. فبعض الأشخاص يعانون صعوبة في نسيان المشاهد المؤلمة أو المزعجة، لأنّ ذاكرتهم البصريّة تحتفظ بها بالوضوح نفسه. وهكذا، تتحوّل القدرة الخارقة أحياناً إلى عبء نفسيّ، يجعل الماضي حاضراً بقوّة لا يمكن تجاهلها.
هل يمكن اكتساب هذه القدرة؟
يحاول كثيرون تدريب ذاكرتهم البصريّة عبر تقنيات الحفظ والتخيّل، غير أنّ الحالات الخارقة الحقيقيّة تبدو مرتبطة بعوامل عصبيّة فطريّة أكثر من كونها مهارة مكتسبة. ومع ذلك، يؤكّد الباحثون أنّ الذاكرة البصريّة لدى الإنسان قابلة للتحسين، وإن لم تصل إلى هذا المستوى النادر من الدقّة.
لماذا تثير هذه الظاهرة فضول العلماء؟
تكمن أهميّة هذه الحالات في قدرتها على كشف آليّات عمل الدماغ البشريّ. ففهم كيف تتحوّل الرؤية إلى ذاكرة دائمة قد يفتح آفاقاً جديدة لعلاج اضطرابات الذاكرة، أو تطوير أساليب تعلّم أكثر فاعليّة، أو حتى إعادة تعريف حدود الإدراك الإنسانيّ.
حين تصبح العين بوّابة للذاكرة
تكشف ظاهرة العيون التي تتذكّر كلّ ما تراه أنّ الرؤية ليست مجرّد استقبال ضوئيّ، بل عمليّة ذهنيّة معقّدة تشكّل علاقتنا بالعالم. وبينما يمرّ معظم ما نراه في حياتنا دون أثر، تذكّرنا هذه الحالات النادرة بأنّ العقل قادر، أحياناً، على تحويل اللحظة العابرة إلى صورة لا تمّحي.