الأوهام الإدراكية السمعية والبصرية: كيف يخدع الدماغ نفسه؟
تُعَدّ الأوهام الإدراكيّة السمعيّة والبصريّة من أكثر الظواهر إثارةً في علم النفس العصبيّ، لأنّها تكشف كيف يمكن للدماغ أن يُعيد تفسير الواقع بطريقة تختلف عمّا هو موجود فعلاً. ولا تنشأ هذه الأوهام من خلل دائم بالضرورة، بل من آليّات إدراكيّة طبيعيّة تهدف أساساً إلى تبسيط العالم وتسريع فهمه.
كيف يبني الدماغ الواقع من الأساس
يعتمد الدماغ على معالجة الإشارات الحسيّة الخام ثمّ دمجها مع الخبرة السابقة، والتوقّعات، والسياق المحيط. ولا يرى الإنسان العالم كما هو، بل كما يتوقّعه الدماغ أن يكون. وعندما تتعارض الإشارات مع هذه التوقّعات، تظهر الأوهام الإدراكيّة بوصفها “تفسيراً بديلاً” يختاره الدماغ لتقليل الارتباك.
فيديو ذات صلة
This browser does not support the video element.
الأوهام البصريّة: عندما تكذب العين ويصدّق العقل
تنشأ الأوهام البصريّة حين يخطئ الدماغ في تقدير الحجم، أو الحركة، أو العمق، أو اللون. فقد يبدو خطّان متساويان في الطول مختلفين بسبب الخلفيّة، أو تتحرّك صورة ثابتة نتيجة تباين الألوان. ويحدث ذلك لأنّ القشرة البصريّة تعتمد على المقارنة النسبيّة لا القياس المطلق، ما يجعلها عرضة للخداع عند تغيّر السياق.
ومن الأمثلة الشائعة وهم الحركة الوهميّة، حيث يفسّر الدماغ التباين السريع بين الأشكال بوصفه حركة، رغم ثبات الصورة تماماً.
الأوهام السمعيّة: حين يسمع الدماغ ما لم يُقَل
لا يقتصر الخداع الإدراكيّ على الرؤية، بل يمتدّ إلى السمع. ففي بعض الحالات، يسمع الشخص كلمات غير منطوقة، أو يفسّر أصواتاً غامضة على أنّها كلام مفهوم.
ويرجع ذلك إلى أنّ الدماغ يميل إلى “إكمال الفراغات” عند نقص الإشارة الصوتيّة، معتمداً على اللغة المخزّنة في الذاكرة.
ومن أشهر الأمثلة وهم “الكلمات المفقودة”، حيث يسمع الفرد جملة كاملة رغم حذف مقطع صوتيّ منها، لأنّ الدماغ يتوقّع بنيتها اللغويّة.
لماذا يخدع الدماغ نفسه؟
لا يُعدّ ذلك ضعفاً، بل آليّة بقاء. إذ يهدف الدماغ إلى:
- تسريع اتخاذ القرار في بيئات معقّدة.
- تقليل الجهد المعرفيّ عبر الاختصار والتوقّع.
- الحفاظ على شعور الاستقرار والسيطرة على الواقع.
- غير أنّ هذه الاستراتيجيّات نفسها قد تؤدّي أحياناً إلى أخطاء إدراكيّة واضحة.
متى تصبح الأوهام مؤشّراً مقلقاً؟
تظلّ الأوهام الإدراكيّة طبيعيّة ما دامت مؤقّتة ومشتركة بين معظم الناس. أمّا إذا كانت متكرّرة، أو شديدة، أو مصحوبة باضطراب في التفكير أو السلوك، فقد تشير إلى حالات عصبيّة أو نفسيّة تتطلّب تقييماً متخصّصاً.
خلاصة
لا ينقل الدماغ الواقع كما هو، بل يعيد بناءه باستمرار اعتماداً على الاحتمال والتوقّع والخبرة. ومن هنا، لا تكشف الأوهام الإدراكيّة عن ضعف الحواس، بل عن عبقريّة العقل في محاولته الدائمة لفهم عالم متغيّر، حتى وإن أخطأ أحياناً في تفسيره.