الأمن القانوني لدولة الإمارات ركيزة الثقة والنمو الاقتصادي

  • بواسطة: ALi khaddour تاريخ النشر: منذ ساعة زمن القراءة: 5 دقائق قراءة

الأمن القانوني كمحرك للتنمية في الإمارات: تطور مستمر لضمان الاستقرار وتعزيز الثقة في البيئة الاستثمارية.

مقالات ذات صلة
الإحصائيات المناخية لشهر ديسمبر لدولة الإمارات
نوبل في الاقتصاد إلى 3 علماء قدموا تفسيرا جديدا للنمو الاقتصادي المدفوع بالابتكار
إطلاق الأغنية الرسمية لعيد الاتحاد لدولة الإمارات

يُعدُّ الأمن القانوني أَحَدَ أَهمّ الأركان الّتي تَقوم عَلَيها دَولة القَانون الحَديثة، إذ لَا تَستقيم العَلاقات الاجتماعية أو الاقتصادية دُون شُعور عَام بِالطّمأنينة تِجاه القَواعد الّتي تُنظِّمها. ويُقصَد بالأمن القَانوني تِلك الحَالة مِنَ الثّقة الّتي يُوفّرُها النّظام القانوني للأَفراد وَالمُؤسَّسَات على السّواء، عِندما تَكون القَواعد وَاضحة، ومُستَقرّة، وَقَابِلة للتَّوقَُع، ومطَبّقة مِن قِبَل السِّطات التّنفيذية بِعَدالة وَكَفاءة.

فيديو ذات صلة

This browser does not support the video element.

فكلَّما استَطَاع الشَّخص، سِواء كان شخصاً طبيعياً أو اعتبارياً، مواطناً أم وافد، أن يتنبأ بالآثار القانونية المترتبة على تصرفاته، كلما تعززت ثقته في القانون بوصفه إطاراً مُنَظِّمَاً لا مصدراً للمفاجأة أو الاضطراب.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى الأمن القانوني كضمان عملي لاستقرار المراكز القانونية، وحماية الحقوق المكتسبة، وتيسير التعاملات، والاقتصادية أكثر من اعتباره كَمفهومٍ نَظَريّ مُجَرَّد، بما ينعكس مباشرة على البيئة الاستثمارية. ومن هنا تبرز أهمية دراسة هذا المبدأ في التشريع الإماراتي، الذي قدّم نموذجاً لافتاً في الجمع بين الاستقرار والتحديث.

لم يُصَغ مبدأ الأمن القانوني في دولة الإمارات منذ قيام الاتحاد كمصطلح تشريعي مستقل، إلا أنه تجسد عملياً منذ المراحل الأولى لبناء الدولة. ففي مرحلة التأسيس خلال السبعينيات والثمانينيات، اتجه المشرّع الاتحادي إلى إصدار حزمة من القوانين الأساسية التي نظّمت القضاء، والمعاملات المدنية، والعقوبات، والإجراءات، وهو ما أسهم في توحيد المرجعية القانونية على مستوى الدولة، وأرسى أولى دعائم الاستقرار التشريعي. وقد مَثّل هذا التوحيد عاملاً حاسماً في بناء الثقة بالقانون في مجتمع اتحادي ناشئ.

ومع دخول التسعينيات وبداية الألفية الجديدة، انتقل التشريع الإماراتي إلى مرحلة أكثر تخصصاً، فصدرت قوانين نوعية في مجالات الشركات، والتجارة، والبنوك، والتأمين، والملكية الفكرية، بالتوازي مع إنشاء محاكم وهيئات متخصصة. وقد أدَّى هذا التَّوجه إلى زيادة وضوح القواعد المُنَظِّمة للأَنشطة الاقتصادية، ولا سِيما في القِطَاعين التِّجاري والمَالي، ما عزز من قابلية التَّوقع القانوني لدى المتعاملين.

أما في العقدين الأخيرين، فقد شهد الأمن القانوني في الإمارات نقلة نوعية مع مرحلة التحديث والتدويل، حيث أُنشئت أنظمة قانونية وقضائية خاصة في مراكز مالية عالمية مثل مركز دبي المالي العالمي وسوق أبو ظبي العالمي، مستندة إلى قواعد مستوحاة من القانون الأنجلوسكسوني. وفي الوقت ذاته، أدخل المشرّع تعديلات جوهرية على قوانين الشركات، والاستثمار الأجنبي، والعمل، والمعاملات الإلكترونية، ومكافحة غسل الأموال، وحماية البيانات، بما يتوافق مع المعايير الدولية ويعزز اليقين القانوني للمستثمر المحلي والأجنبي على حد سواء. وبهذا المعنى، تطور الأمن القانوني في الإمارات بوصفه ممارسة مؤسسية مستمرة سدت كل الفجوات التي يمكن أن تكون موجودة في جدار العدالة.

وفي الواقع الراهن، تتجلى ملامح الأمن القانوني في الإمارات من خلال استقرار الإطار الدستوري والمؤسسي، حيث يتميز الدستور الاتحادي بالثبات، وتتسم هياكل السلطات بالوضوح، مع توزيع محدد للاختصاصات بين الاتحاد والإمارات. ويُعَدُّ هذا الاستقرار السياسي والمؤسسي قاعدة صلبة لأي نظام قانوني آمن.

وتتسم المنظومة التشريعية أيضاً بالتدرج والوضوح، من خلال قوانين اتحادية رئيسية ولوائح تنفيذية منشورة ومتاحة للجمهور عبر الوسائل الإلكترونية، الأمر الذي يعزز مبدأ العلانية والشفافية. ويجعل من المشرع الإماراتي الرائد الأول في هذا المجال عالمياً.

ويكتمل هذا الإطار بوجود قضاء متنوع ومتخصص، يضم محاكم اتحادية ومحلية، إلى جانب محاكم متخصصة في المجالات التجارية والعمالية والعقارية والمالية، فضلاً عن الأنظمة القضائية المستقلة في المراكز المالية الحرة. ويواكب ذلك توجه تشريعي مستمر نحو التحديث، يتميز بإدخال تعديلات مدروسة تراعي في الغالب فترات انتقالية، بما يحقق التوازن بين متطلبات التطوير وحماية المراكز القانونية القائمة. ويجعل هذا كله من البيئة القانونية الإماراتية نموذجاً لما يمكن وصفه بالأمن القانوني الديناميكي، القائم على التطور دون اضطراب.

ولا يعود تفوق الإمارات في تطبيق الأمن القانوني إلى النصوص وحدها، بل إلى منظومة متكاملة تجمع بين الاستقرار السياسي والحوكمة الرشيدة، ووضوح الرؤية الاقتصادية طويلة الأمد، وتنوع الأنظمة القانونية مع تحديد دقيق لنطاق كل منها. فإتاحة الاختيار بين النظام الاتحادي العام والأنظمة الخاصة في المناطق الحرة، دون غموض في الاختصاص أو القانون الواجب التطبيق، تمنح المستثمر مرونة مدروسة. ويضاف إلى ذلك سرعة الاستجابة التشريعية للتقنيات الحديثة، مثل الذكاء الاصطناعي، والبلوك تشين، والتجارة الإلكترونية، والأصول الافتراضية، في وقت لا تزال فيه دول عديدة في مرحلة الجدل النظري. كما تلعب البيئة التنفيذية الفعّالة، ممثلة في الجهات الرقابية والتنظيمية، دوراً محورياً في تقليل عنصر المفاجأة وتعزيز قابلية التوقع.

ومن منظور اقتصادي، يُعد الأمن القانوني عاملاً حاسماً في جذب الاستثمارات، إذ يسهم في تقليل المخاطر القانونية المرتبطة بتأسيس الشركات، وتملك الأجانب، وتحويل الأرباح، وإنهاء العقود، وتسوية النزاعات. كما يعزّز الثّقة في العُقُود مِن خِلال قَضَاء فَعَّال وآليات تَحكيم معترف بها دولياً، ويتيح للمستثمر التخطيط لدورة حياته الاستثمارية بوضوح، من الدخول إلى السوق وحتى الخروج منه. وتزداد هذه الثقة عندما تتقارب القواعد المحلية مع المعايير الدولية في المحاسبة والحوكمة ومكافحة غسل الأموال وحماية البيانات.

وتتجاوز آثار الأمن القانوني حدود الاستثمار، وتمتد إلى دعم النمو الاقتصادي الشامل. فارتفاع مستوى اليقين القانوني يسهم في جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة طويلة الأجل، ويشجع رواد الأعمال والشركات الصغيرة والمتوسطة على دخول السوق، ويخفض تكلفة المعاملات من خلال تقليل النزاعات والحاجة إلى الاحتياطات القانونية المبالغ فيها. كما يوفر إطاراً آمناً لدعم الابتكار والاستثمار في القطاعات التقنية الجديدة، التي تتطلب بطبيعتها قواعد واضحة ومستقرة.

وخلاصة القول، إن الأمن القانوني في التشريع الإماراتي خرج من إطار كونه مجرد مبدأ نظري، وتحوّلَ إلى أداة فاعلة من أدوات السياسة الاقتصادية، وعنصراً مركزياً في تعزيز التنافسية وتحقيق النمو المستدام. وقد نجحت الإمارات، من خلال استقرار مؤسساتها ومرونة تشريعاتها وكفاءة أجهزتها القضائية والتنظيمية، في رسم ملامح جديدة للقانون وتحويله من نص جامد إلى بيئة ثقة وأمان، ترسخ مكانتها كوجهة إقليمية ودولية آمنة للأعمال والاستثمار.

  • المحتوى الذي تستمتع به هنا يمثل رأي المساهم وليس بالضرورة رأي الناشر. يحتفظ الناشر بالحق في عدم نشر المحتوى.

    الكاتب ALi khaddour

    مجاز من كلية الحقوق في جامعة دمشق وحاصل على ماجستير في الإدارة، أنجز العديد من الدورات التدريبية في عدة مراكز في مجالات التحكيم التجاري والهندسي وإنشاء العقود، وشارك في ورشات عمل متعددة مع منظمات دولية. عمل مستشارًا لعدد من الشركات والهيئات والمنظمات الدولية في سورية، كما يشغل منصب مستشار في دولة الإمارات العربية المتحدة وباحث قانوني في تشريعات الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي، وله مؤلفات ومقالات منشورة في هذا المجال.

    هل لديكم شغف للكتابة وتريدون نشر محتواكم على منصة نشر معروفة؟ اضغطوا هنا وسجلوا الآن !

    انضموا إلينا مجاناً!