الأمن السيبراني، معارك اقتصادية غير مرئية
الأمن السيبراني، معارك اقتصادية غير مرئية
لم يعد الاقتصاد الحديث يُقاس فقط بما تملكه الدول من موارد طبيعية أو مصانع عملاقة، بل بما تملكه من قدرة على حماية فضائها الرقمي. فاليوم الأسواق تعمل بشكل كامل تقريباً على الخوادم، وتكاد كل الصفقات تُبرم عبر المنصات الالكترونية، والثقة بين المتعاملين تُبنى على سلامة البيانات. وفي هذا المشهد المستجد، أصبح الأمن السيبراني خط الدفاع الأول عن الاقتصاد، أكثر من كونه مجرد مسألة تقنية ثانوية.
فيديو ذات صلة
This browser does not support the video element.
فالهجمات السيبرانية لم تعد مجرد حوادث طارئة، بل هي جزءاً من واقع اقتصادي عالمي.
فأي شركة تتوقف أنظمتها لساعات قليلة قد تخسر ملايين، وأي مؤسسة تُسرّب بيانات عملائها قد تفقد ثقتهم وتخسر مكانتها في السوق لسنوات. ومع التحول الرقمي المتسارع في المنطقة العربية، وخصوصاً في دول مثل الإمارات، بات السؤال الجوهري: كيف نحمي النمو الاقتصادي دون أن نضيق على الابتكار؟
اللافت أن الخطر السيبراني لا يحيق بالاقتصاد من الخارج فقط، بل من الداخل أيضاً.
فالموظف غير المدرّب، والسياسة الداخلية الغامضة، أو القرار الإداري الذي يؤجل الاستثمار في الحماية…إلخ ، كلها عوامل قد تفتح الباب لهجوم لا يميز بين مصرف وشركة طيران أو جهة حكومية. وهنا يصبح الضرر مزدوجاً، خسارة مالية مباشرة، ومسؤولية قانونية لاحقة.
وفي هذا السياق، أمسى الأمن السيبراني التزاماً قانونياً مرتبطاً باستمرارية الأعمال.
ومن هنا فالتشريعات الحديثة في الإمارات والمنطقة العربية جاءت لتعكس هذا التحول. فلم تعد تكتفي بتجريم الاختراق بعد وقوعه، بل تفرض على المؤسسات واجب الوقاية، ووضع سياسات أمن معلومات، وخطط استجابة للحوادث، وتحديد المسؤوليات بوضوح داخل الهيكل الإداري.
ولا بد من التأكيد على أن الاقتصاد الرقمي لا يحتمل الفوضى، والقانون جاء ليضع حدوداً واضحة لهذه المساحة الحساسة. فالشركات والمؤسسات على اختلاف أنواعها وأشكال نشاطها والتي تعمل في بيئة منظمة، وتلتزم بمعايير حماية البيانات، لا تحمي نفسها فقط من المخاطر السيبرانية والخسائر التي قد تلحق بها وتصون مركزها القانون من الملاحقات، بل تُعزِّز ثقة المُستثمرين والعُملاء على حدٍّ سواء. وهنا يتلقى القانون بالاقتصاد عند نقطة جوهرية هي ” الثقة” العنوان العريض للسوق.
في التجربة الأوروبية، فرضت التشريعات الصارمة معايير موحدة رفعت مستوى الحماية في السوق ككل. وفي الخليج، اتجهت دول مثل الإمارات والسعودية إلى تبني نماذج تشريعية مرنة لكنها حازمة، توازن بين حماية البيانات وتشجيع الاستثمار. هذا التوازن هو ما جعل الأمن السيبراني جزءًا من البنية الاقتصادية، لا عبئًا عليها.
ولكن التشريع وحده لا يصنع الحماية. القانون يرسم الإطار، أما التنفيذ فيبقى رهين الثقافة المؤسسية والحوكمة الداخلية. فمن دون وعي إداري، وتدريب مستمر للموظفين، وربط الأمن السيبراني بصنع القرار الاستراتيجي، تبقى النصوص القانونية بلا روح.
المفارقة أن أغلب الهجمات لا تنجح بسبب تعقيدها التقني فقط، بل بسبب بساطة الضحايا وقلة إدراكهم ووعيهم بها. رسالة بريد واحدة، صلاحية مُهملة، أو ثقة زائدة في نظام غير مُحدَّث. ولهذا السبب، أصبح الأمن السيبراني اختباراً لنضج الإدارة بقدر ما هو اختبار للتقنية.
وخلاصة القول أن الأمن السيبراني اليوم يقف عند تقاطع مسارين، مسار الاقتصاد ومسار القانون. وهو استثمار يحمي النمو من جهة، وواجب قانوني يحد من المخاطر من جهة أخرى، إضافة إلى أنه أداة ثقة تعزز مكانة المؤسسات والشركات في الأسواق.
وفي عالم لا يتوقف عن الاتصال، من لا يُحصّن فضاءه الرقمي، يخاطر بمستقبله الاقتصادي و القانوني و يخاطر بأنظمته وبيانته كاملةً.
شاهد أيضاً: أهم التحديات التي تواجه التحول الرقمي
-
المحتوى الذي تستمتع به هنا يمثل رأي المساهم وليس بالضرورة رأي الناشر. يحتفظ الناشر بالحق في عدم نشر المحتوى.
هل لديكم شغف للكتابة وتريدون نشر محتواكم على منصة نشر معروفة؟ اضغطوا هنا وسجلوا الآن !
انضموا إلينا على منصتنا، فهي تمنح كل الخبراء من كافة المجالات المتنوعة الفرصة لنشر محتواهم . سيتم نشر مقالاتكم حيث ستصل لملايين القراء المهتمين بهذا المحتوى وستكون مرتبطة بحساباتكم على وسائل التواصل الاجتماعي!
انضموا إلينا مجاناً!