متلازمة كوتار: الوهم بأنّك ميت أو غير موجود
تُعدّ متلازمة كوتار واحدة من أكثر الاضطرابات النفسيّة غرابةً وإرباكاً، إذ يعيش المصاب بها قناعة راسخة بأنّه ميت فعليّاً، أو أنّ أعضاءه الداخليّة توقّفت عن العمل، أو أنّه غير موجود من الأساس. لا يتعامل المصاب مع هذا الإحساس بوصفه فكرة عابرة أو تشاؤماً، بل كحقيقة مطلقة لا تقبل النقاش، ما يجعل التجربة شديدة القسوة على الوعي والهوية.
كيف يظهر وهم الموت؟
يبدأ الوهم عادةً بشكل تدريجيّ، إذ يشعر الشخص بانفصال عميق عن جسده ومشاعره، ثم يتطوّر الإحساس إلى اعتقاد ثابت بأنّ الحياة قد غادرته بالفعل. يصف بعض المرضى أنفسهم بأنّهم “جثث تمشي”، أو بأنّهم يعيشون في فراغ بلا زمن أو معنى. هذا الاعتقاد لا يرتبط برغبة في الموت، بل بإحساس داخليّ بأنّ الموت قد حدث بالفعل.
فيديو ذات صلة
This browser does not support the video element.
الجذور العصبيّة والنفسيّة للمتلازمة
يربط الباحثون متلازمة كوتار باضطرابات عميقة في الدماغ تؤثّر في مراكز الإدراك والهوية والانفعال. غالباً ما تظهر لدى أشخاص يعانون اكتئاباً حادّاً، أو ذهاناً، أو بعد إصابات دماغيّة معيّنة. في هذه الحالة، يفشل الدماغ في دمج الإحساس بالجسد مع الوعي بالذات، فينشأ شعور بالعدم، وكأنّ الشخص فقد الإحساس بوجوده الحقيقيّ.
عندما تفقد الهوية معناها
لا يتوقّف تأثير المتلازمة عند فكرة الموت، بل يمتدّ إلى انهيار مفهوم الهوية نفسه. يشعر المصاب بأنّ اسمه وتاريخه وذكرياته لم تعد تخصّه، وكأنّه يراقب حياة انتهت بالفعل. هذا الانفصال الحادّ عن الذات يجعل التواصل مع الآخرين صعباً، لأنّ المصاب لا يرى نفسه جزءاً من العالم الحيّ.
سلوكيات ناتجة عن وهم العدم
قد يرفض بعض المصابين الأكل أو الشرب، انطلاقاً من اعتقادهم أنّ الجسد الميت لا يحتاج إلى غذاء. وفي حالات أخرى، يفقد الشخص الإحساس بالألم أو الخوف، لأنّ الموت – في نظره – قد وقع وانتهى. هذه السلوكيات تجعل المتلازمة خطرة، ليس بسبب فكرة الموت نفسها، بل بسبب ما تفرضه من إهمال جسديّ ونفسيّ.
التشخيص بين الوهم والواقع
يمثّل تشخيص متلازمة كوتار تحدّياً حقيقيّاً، لأنّ أعراضها تتقاطع مع اضطرابات نفسيّة أخرى. يعتمد الأطباء على التقييم السريريّ الدقيق، ودراسة التاريخ النفسيّ والعصبيّ للمريض، لفهم ما إذا كان الوهم جزءاً من اكتئاب شديد أو اضطراب ذهانيّ أوسع. ورغم ندرتها، فإنّ التعرف المبكّر عليها يُعدّ عاملاً حاسماً في العلاج.
هل يمكن العلاج؟
رغم سوداوية التجربة، فإنّ متلازمة كوتار قابلة للعلاج في كثير من الحالات. تُستخدم العلاجات الدوائيّة، مثل مضادّات الاكتئاب ومضادّات الذهان، إلى جانب العلاج النفسيّ المكثّف. وفي بعض الحالات الشديدة، أظهر العلاج الكهربائيّ نتائج إيجابيّة. بمرور الوقت، يبدأ المصاب في استعادة إحساسه بالذات، وكأنّ الوعي يعود ببطء إلى الحياة.
ماذا تكشف المتلازمة عن العقل البشري؟
تكشف متلازمة كوتار هشاشة الإحساس بالوجود، وتبيّن أنّ الشعور بالحياة ليس أمراً بديهيّاً، بل بناءً نفسيّاً معقّداً. فعندما يختلّ هذا البناء، قد يتحوّل الإنسان إلى شاهد على غياب نفسه. وبين وهم الموت وحقيقة الحياة، تذكّرنا هذه المتلازمة بأنّ الوعي الإنسانيّ أعمق وأغرب ممّا نتصوّر.