كيف يقتنص الفوتون أسرار الوجود بعد فناء الوجود؟

  • بواسطة: Mdaou تاريخ النشر: منذ 5 ساعات زمن القراءة: 4 دقائق قراءة

الفلك كمرآة للفناء والبقاء

مقالات ذات صلة
الشاشات الصامتة: كيف يغيّر الغياب الرقمي شعورنا بالوجود؟
لماذا تحتاج المرأة للاهتمام المستمر بينما يكتفي الرجل بالوجود؟
فلسفة “المعنى”: كيف يبحث الإنسان عن سبب للوجود

سيمياء النجوم: كيف يقتنص الفوتون أسرار الوجود بعد فناء الوجود؟

إنها ليست مجرد آلة تُفتح وتُغلق، بل هو مِحْرابٌ تَقِفُ فيه الإنسانية شاخصةً بصرها إلى السماء، لتستنطقَ صمْتَ الكون وتكتَبَ بمدادِ النور فلسفةَ الفناء والبقاء. إن “تصوير الفلك والنجوم” (Astrophotography) ليس باباً من أبواب الهواية العابرة، بل هو مسلكٌ من مسالك الزهد الفكري، وطريقٌ تتروّض فيه النفس على الصبر؛ إذ كيف لعينٍ من طين أن تُدرك ما وراء الحُجُب، لولا هندسةُ العقل وصبرُ المرتاد؟

هندسة الآلة ومعرفة الأفلاك: الدخول إلى حضرة السماء

إن من يبتغي ولوج هذا العالم العجيب، يلزمه أولاً أن يتحلّل من عجلة أهل الأرض؛ فهذا الفن يفرض على صاحبه سُلطاناً من العلم الدقيق، لا يقلّ عن علم الفلكي في مرصده. إنه علمٌ يبتدئ من جغرافيا السماء المكتوبة على صفحات المجرّات، حيث يتعين على المصور أن يعلم مستقر النجوم ومساراتها، ويحفظ خرائط الأفلاك والأبراج، ويتتبّع حركةَ “النجم القطبِيّ” الذي تدور حوله مَغَازِلُ الفلك كأنه مركز الثبات في كونٍ متحرك.

فيديو ذات صلة

This browser does not support the video element.

ولا يقف الأمر عند حدود السماء، بل يهبط إلى تقلبات الأرض؛ فالمصور هنا يُصبح حليفاً للمناخ، وراصداً للطقس على مدار الفصول. إنه يترقب تلك الليالي الخالية من ضوء القمر (المحاق)، وينشد الأماكن النائية السحيقة التي لم تلوثها مدنيّةُ البشر بـ “التلوث الضوئي”، حيث تبدو السماء هناك كأنها ثوبٌ مرصّعٌ بالماس البِكْر. إنه يدرس حركة السحب، ونسب الرطوبة، والرياح؛ لأن أدنى هفوة في الغلاف الجوي كفيلة بأن تُفسد جهداً أُريقت فيه ساعات السهر.

ما لا تراه العين: حياكة الضوء وبناء الصورة

وعجبٌ عجابٌ في هذا الفن؛ أنك لا تصوّر ما تراه، بل تُظهر للوجود ما عجزت عينك المجردة عن التقاظه! فالإنسان خُلق بحدَقة ضيقة قاصرة، لا ترى من حلكة الليل إلا سواداً ممتداً تنبت فيه نقاطٌ باهتة. أما الكاميرا في هذا المقام، فتتحول إلى “مجمعٍ للأنوار” عبر تقنية التعريض الطويل (Long Exposure)، حيث تظل عين العدسة مفتوحة لزمن ممتد، تتلقى فيه “الفوتونات” الهاربة من أقاصي الكون، فوتوناً إثر فوتون، وكأنها تجمع قطرات الغيث في وعاء ممتد الزمن.

ثم تأتي مرحلة “المعالجة والدمج” (Stacking)، وهي عملية تشبه حياكة الثوب الروحي؛ حيث يجمع المصور مئات اللقطات المتتابعة ليصنع منها خطوطاً نجمية بديعة تحكي دوران الأرض حول نفسها، أو ليبرز سديمًا متوهجًا بوعاء سحري من الألوان المنسية. إنها عملية صياغة فنية تُركّب الزمن فوق الزمن، لتُخرج للناس آيةً بصرية تجعل الأرواح تخرّ ساجدة لجمال لم تكشفه الطبيعة للناظر العابر.

الفوتون الراحل والنجوم الميتة: رسم صورة لفناء طواه الدهر!

وهنا نسقط في غيابة التفكر العتيق، ونصل إلى الذروة الروحانية الفلسفية التي تخلع القلوب: إن هذا النور الذي تقبض عليه العدسة في ظلمات “وادي الموت” أو فوق قمم الجبال، ليس نوراً آنياً وُلد اللحظة؛ بل هو مسافرٌ عتيق، ضرب في فجوج الفضاء السحيق منذ ملايين السنين الضوئية!

يا لعجب العقول! إننا عندما نرى تلك الأقواس المضيئة المنسوجة في كبد السماء، قد نكون في الحقيقة نرسم ملامحَ “أمواتٍ” غابوا في طيات العدم! فهذه الشموس البعيدة، والمجرات المتألقة، ربما تكون قد انفجرت، أو تبخرت، أو انطوت على نفسها واختفت منذ أزمانٍ سحيقة، بينما لا يزال ضوءها الراحل يسير إلينا في فضاء متوسع متضخم يبتلع المسافات كل يوم. إننا نصوّر “الماضي” في ثوب “الحاضر”، ونوثّق جمالاً قد طواه الدهر وابتلعه غيب الفضاء، وكأن المصور الفلكي مؤرخٌ كوني، يكتب بالضوء سيرة النجوم التي ماتت ولم يمت أثرها بعد.

قناديل هدى لمن خلفنا

فأيّ عبرة يستقيها القلب من هذا المحراب الفلكي؟

إنها العبرة التي تُعلمنا أن الأثر الباقي هو حقيقة الوجود؛ فالنجم يعلمنا أن نرسل ضياءنا ونافع أعمالنا إلى المستقبل، حتى وإن فنيت أجسادنا واستحالت تراباً، فإن “فوتونات” الخير والعمل الصالح ستصل يوماً لتُنير الدرب لمن يقتفون الأثر من بعدنا.

وتُعلمنا هذه اللوحات النجمية أن “المعالجة الحياتية” للأعمال وإدارتها تشبه تماماً إدارة هذه اللقطات؛ فالمشروع العظيم يحتاج إلى صبر كصبر المصور في حلكة الليل، ويحتاج إلى Resilience (مرونة وارتداد) للبدء من جديد إذا ما فسدت اللقطة الأولى أو تعثرت الخطوة المبتدأة. ومثلما ننظر في الكون لنستخلص سننه ومعالجاته، فإن أصحاب التجارب الحياتية العميقة تقع عليهم أمانة تحويل هذه التجارب إلى قناديل هدى، تضيء لمن يلحق بهم في دروب الحياة، حتى لا تتخبط خطى الجيل القادم في عتمة التجربة؛ بل يسيرون مستهدين بأنوار حكمة من سَبقوهم، تماماً كما يهتدي الساري في البيداء.. بنجوم قديمة وضعت هدايتها في السماء ومضت.

  • المحتوى الذي تستمتع به هنا يمثل رأي المساهم وليس بالضرورة رأي الناشر. يحتفظ الناشر بالحق في عدم نشر المحتوى.

    الكاتب Mdaou

    باحث عن المستقبل بطرق متعددةمهندس بالشهادة وباحث بالمهنة وتربوي بالشغف رب أسرة فيها شريكة مميزة وابتتان رائعتان وأربعة أولاد كل واحد منهم بهوية أعمل على الدكتوراه في القريب المأمول وأرجو أن أتم عملي الخيري الذي بدأته مع بلدتي أرمناز أحب دبي وفيها كانت المسيرة جلها إن لم نقل كلها غايتي ترك أثر لمن بعدي يكون ذا قيمة 

    هل لديكم شغف للكتابة وتريدون نشر محتواكم على منصة نشر معروفة؟ اضغطوا هنا وسجلوا الآن !

    انضموا إلينا مجاناً!