فعلتها كوريا الجنوبية

  • بواسطة: ALi khaddour تاريخ النشر: منذ ساعة زمن القراءة: 5 دقائق قراءة

كوريا الجنوبية تُطلق أول إطار قانوني شامل للذكاء الاصطناعي لتعزيز الثقة وحماية المواطنين وابتكار مستدام.

مقالات ذات صلة
10 فروق بين كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية
طوارئ في كوريا الجنوبية بسبب إنفلونزا الطيور
أشهر الأماكن السياحية في كوريا الجنوبية 2022

كوريا الجنوبية وأول قانون شامل للذكاء الاصطناعي 

في 22 يناير 2026، دخل حيز التنفيذ الإطار القانوني لتطوير الذكاء الاصطناعي وترسيخ الثقة به والمعروف بالـ AI Basic Act) ) في كوريا الجنوبية، ليضع سيول نفسها كأول دولة في العالم تطبق إطارًا قانونيًا شاملاً على الذكاء الاصطناعي. هذا التشريع الجديد لا يكتفي بتحديد مبادئ أخلاقية لاستخدامات الذكاء الاصطناعي، بل يحولها إلى التزامات قانونية ملزمة تهدف إلى حماية المواطنين، وتعزيز السيادة الرقمية الوطنية، مع تشجيع الابتكار في الوقت نفسه.

أهداف القانون ومحاوره الرئيسية

ينطلق القانون من فرضية مركزية مفادها أنّ الذّكاء الاصطناعي هو قوة قادرة على التأثير العميق في حياة الأفراد والمجتمع، من الصحة والطاقة والنظام القضائي إلى سوق العمل والخدمات الحكومية وليس مجرد أداة تقنية فقط. ويضم القانون مجموعة من المحاور الأساسية:

فيديو ذات صلة

This browser does not support the video element.

  • تعريف وتنظيم “الذكاء الاصطناعي عالي التأثير” والمقصود به ذلك النَّوع من الأنظمة التي يمكن أن تحدث تأثيراً كبيراً على الحياة اليومية أو السَّلامة العامة، مثل أنظمة التَّوظيف، تَقييم القُروض، أو التَّشخيص الطبي.
  • شفافية وإفصاح إجباري: حيث يتعين بموجب أحكام هذا القانون على المُشَّغِلين للذَّكاء الاصطناعي إخطار المُستَخدِمين بِوضوح عند تفاعلهم مع نظام ذكي، سواء كان ذلك نصيّاً أو صَوتيّاً أو مرئياً.
  • وضع “علامات مائية” على المُحتوى الذَّكي: كُلَّ محتوى يتمُّ إنتاجَهُ أو تَعديله باستخدام الذَّكاء الاصطناعي يجب أن يَحمل إمّا عَلامة مرئية أو بيانات وصفيّة (Metadata) تشير إلى أنَّه نتاج نظام ذكي.
  • إدارة مخاطر متقدمة: على مقدمي خدمات الذكاء الاصطناعي عالي التَّأثير وضع خطط لإدارة المخاطر، تَشمل تَقييمات مُسبَقة للتَّأثيرات المُحتَملة على حقوق الأفراد والحماية الأمنية.
  • عقوبات وجزاءات قانونية: في حال عدم الامتثال، يمكن فرض غرامات تصل إلى 30 مليون وون كوري (قرابة 20–22 ألف دولار أميركي)؛ إضافة إلى إمكانيّة تَعليق الخَدمَات في حال تهديد السلامة.

الممثل المحلي: ركيزة المسؤولية القانونية

من أبرز البنود المثيرة للجدل في القانون وأهم ما جاء فيه من وجهة نظر شخصية شرط “التمثيل المحلي (Local Representative)  وفقاً لأحكام القانون وبنوده، فأيّ شركة أجنبية تقدم خدمات ذكية في السوق الكوري وتحقق مؤشرات معينة ، مثل إجمالي إيرادات سنوية تفوق واحد تريليون وون، أو مبيعات محلية تزيد على عشرة مليارات وون، أو أكثر من مليون مستخدم يومياً داخل كوريا ، فهي  مُلزَمة بِتَعيين مُمثِّل مَحلّي داخل أراضي كوريا ويكون هذا المُمَثِّل مَسؤولاً قانونيّاً أمام السّلطات.

وهذه المسؤولية ليست مسؤوليات وإجراءات شكلية فقط، بل يمتد أثرها ليشمل التحقيقات الحكومية، تقارير السلامة، الرَّد على المُخالفات، والتَّعامل مَع الأَوامر الإداريِّة مُبَاشرة. وفِي حَال إخِفاق المُمَثِّل المَحلّي فِي تَنفيذ الالتزامات، تُحمَّل الشَّركة الأُم المَسؤوليّة كَاملة عن أيّ مُخَالفَات لبُنود القانون وأحكامه.

لماذا تبنت كوريا هذا المطلب؟

يرى المشرِّع الكوري أنَّ وجود ممثِّل مَحلّي دَاخِل البِلاد يُعزِّز قدرات الدَّولة في فرض القانون وتنفيذه، مراقبة الامتثال، واستدعاء مقدمي الخدمات للمساءلة، وهذه الفِكرة لَيسَت جَديدة في قوانين حماية البيانات مثل GDPR، حيث يُطلب من الشركات الأجنبية تَعيين مُمَثِّل في الاتِّحاد الأوروبيِّ للامتثال للقواعد. ولكن ما يميز القانون الكوري المُستَحدث أنَّه يُطبَّق بِشكلٍ أوسع على منصات الذكاء الاصطناعي العاملة في السوق، وليس فقط تلك التي تتعامل مع بيانات شخصية.

ومن وجهة النَّظر الكوريّة كما بدا لنا، فهذا البند يُمَثِّل تَوازُناً بَين حِماية المستخدمين من جهة وتشجيع المنافسة التقنية من جهة أخرى، فمن ناحية، تكفل الدولة حقوق مواطنيها بمساءلة موثوقة، ومن ناحية أخرى، لا تُفرَض قيود اعتباطيّة على دخول التكنولوجيا أو تطور الأسواق.

 

تحدّيات حاليّة:

ولَكِن وعلى الرُّغم مِن الاستحسان الّذي لاقاه القَانون في الأوساط الرَّسمية، إلاّ أنَّ بَعض الشَّركات المحليّة والدُّولية اعتَبَرت بَعض بُنوده غامضة أو معيقة للابتكار، ومن أهم الانتقادات التي واجهها:

  • تعريفات غير واضحة لـ”الذكاء الاصطناعي عالي التأثير، مما يخلق حالة من عدم اليقين القانوني لَدى الشَّركات عِند تَحديد ما إذا كَانت أنظِمتها تَقَع ضِمن نِطاق الالتزام المُكَثَّف أم لا.
  • تكلفة الامتثال، وخاصة للمؤسسات الناشئة التي قَد تواجها صعوبات في بناء منظومات إدارة مخاطر أو الامتثال للمُتَطلّبات الشَّفافة في بيئة ديناميكية.
  • بعض المعنيين يرون أن القانون لا يغطي جميع المخاطر الاجتماعية، مثل حماية الفئات الضعيفة أو خصوصية المستخدمين بشكل مباشر.

الدروس والإلهام للدول العربية

بالنسبة للأوساط العربية ومن وجهة نظر شخصية، فقد يبقى بند المُمثِّل المحلّي من أكثر النِّقاط جَدَلاً، لكنّه قَد يكون أداة فاعلة وذات دور أساسي في تمكين السّيادة الرَّقمية للدِّول. فِي السّياق العربي، حَيث تُواجِه بَعض الدُّول تحديّات في تَنظِيم خَدمات ضَخمة تُقدِّمها شركات عالميّة دُون وجود كَيان قَانوني داخِل حُدودها، يمكن أن يُقَدِّم هَذا البَند أكثَر مِن فَائدة:

  • تعزيز المساءلة القانونية: فوجود ممثل محلي يرتبط مباشرة بالقضاء أو الجهات التنظيمية يجعل تنفيذ الأحكام أكثر فعالية ويقلل من التعقيدات الإجرائية.
  • حماية المستخدمين: وهذا من خلال سهولة الوصول إلى المسؤولين التَّنفيذيين فِي حَال وقوع خلل أو مخالفات، مثل الانتهاكات الأمنيّة أو نشر محتوى مضلل.
  • تكييف التشريعات بين الابتكار والتنظيم: ويمكن للدّول العربية الاستفادة من نَهجِ كوريا في خلق حالة من التوازن بين الضوابط وتحفيز النمو المحلي، خاصّة في مجالات مثل الخدمات الصحية والتعليم والإدارة العامة التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي.

ومع ذلك، تجدر الإشارة إلى أنَّ تطبيق شَرط المُمَثِّل المحلّي يَحتاج إلى بنية قَانونية وتَشريعيّة فعّالة تضمن حقوق الشّركات وتنظيمها بِوضوح، لِتَفادي المَخاطِر الّتي يُمكن أَن تَنشَأ مِن التَّشريعات الضَّبابية.

وفي النّهاية

إن تجربة كوريا الجنوبية مع الإطار القانوني الجديد للذَّكاء الاصطناعي تُمَثِّل نُموذَجاً مُتَقَدِّماً في كيفيّة تَعامُل دَولة تِقنية رائدة مع التَّحديات المُعاصرة. من خلال دَمجِ مَبادئ الشَّفافية، ومراقبة المَخاطر، والعُقُوبات القانونيّة، وصولاً إلى ضرورة وجود مُمَثِّل مَحلّي للشَّركات الأجنبية، وترسم كوريا خَارطة طَريق يُمكِن للدُّول الأخرى، بما فيها في العالم العربي، أن تَستلهمها وتُكيّفها وفقَ أولوياتها الوطنيّة.

وأمام السؤال الأكبر حول قدرة للتَّشريعات أن تَسبق تأثيرات الذَّكاء الاصطناعي دون أن تقيد الإبداع قدّم التَّشريع الكوري إجابة عَمليّة أنَّ التَّنظيم لَيس بالضَّرورة أَن يَكون عائقاً، بل يُمكِن أن يَكون حَامياً وَثيقاً للاستفادة المُستَدَامة والمسؤولة.

  • المحتوى الذي تستمتع به هنا يمثل رأي المساهم وليس بالضرورة رأي الناشر. يحتفظ الناشر بالحق في عدم نشر المحتوى.

    الكاتب ALi khaddour

    مجاز من كلية الحقوق في جامعة دمشق وحاصل على ماجستير في الإدارة، أنجز العديد من الدورات التدريبية في عدة مراكز في مجالات التحكيم التجاري والهندسي وإنشاء العقود، وشارك في ورشات عمل متعددة مع منظمات دولية. عمل مستشارًا لعدد من الشركات والهيئات والمنظمات الدولية في سورية، كما يشغل منصب مستشار في دولة الإمارات العربية المتحدة وباحث قانوني في تشريعات الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي، وله مؤلفات ومقالات منشورة في هذا المجال.

    هل لديكم شغف للكتابة وتريدون نشر محتواكم على منصة نشر معروفة؟ اضغطوا هنا وسجلوا الآن !

    انضموا إلينا مجاناً!