عندما لا تكفي القوانين: حدود التفسير العلمي للظواهر الإنسانية
يفتح العلم نوافذ واسعة لفهم العالم، ويمنح الإنسان أدوات دقيقة لتفسير الظواهر الطبيعية، غير أنّ بعض التجارب الإنسانية تظل عصيّة على الاحتواء الكامل داخل المعادلات والنماذج. ويظهر هذا القصور لا بوصفه فشلاً علميّاً، بل باعتباره إشارة إلى تعقيد الوعي البشري وتشابك العوامل النفسية والثقافية التي تصوغ إدراك الإنسان للواقع. ويبرز هنا سؤال ضمني مفاده أنّ المعرفة العلمية، على أهميتها، لا تمثل دائماً القصة الكاملة.
عندما لا تكفي القوانين
التجربة الإنسانية خارج المختبر
تنشأ كثير من المعتقدات والخرافات من تجارب فردية عابرة، تتضخّم بمرور الزمن وتتحوّل إلى روايات جماعية راسخة. ويحدث ذلك عندما يعجز العقل عن إيجاد تفسير مباشر لحدث مفاجئ، فيلجأ إلى الربط الرمزي أو التأويل الغيبي. وتكشف هذه الظاهرة عن ميل فطري لدى الإنسان إلى البحث عن معنى، حتى في غياب الأدلة القاطعة، وهو ميل يتجاوز منطق التجربة العلمية الصارمة.
فيديو ذات صلة
This browser does not support the video element.
الذاكرة وإعادة تشكيل الواقع
تلعب الذاكرة دوراً حاسماً في صناعة السرديات غير العلمية. فلا تحتفظ الذاكرة بالحدث كما وقع، بل تعيد صياغته وفق الحالة الشعورية والسياق الاجتماعي. ومع تكرار الاستدعاء، تتبدّل التفاصيل وتُضاف عناصر لم تكن موجودة أصلاً. ويؤدي هذا التراكم إلى نشوء قصص تبدو واقعية تماماً لأصحابها، رغم افتقارها إلى الأساس الموضوعي، ما يوضح كيف تتكوّن القناعات بعيداً عن المنهج العلمي.
العلم وحدوده المعرفية
يعتمد العلم على الملاحظة والقياس والتكرار، وهي أدوات فعّالة لفهم الظواهر القابلة للاختبار. إلا أنّ المشاعر، والإلهام، والخوف، والإحساس بالمعنى، تقع غالباً خارج هذا النطاق. ولا يعني ذلك استحالة دراستها، بل يعني أنّ تفسيرها يتطلّب تكاملاً بين العلوم الطبيعية والإنسانية، بدلاً من الاكتفاء بمنظور واحد يُقصي بقية الأبعاد.
لماذا تقاوم بعض الظواهر التفسير؟
تقاوم بعض التجارب التفسير العلمي لأنّها تتشكّل عند تقاطع الوعي الفردي مع الثقافة الجمعية. فالمجتمع يمدّ الفرد بقوالب تفسير جاهزة، والعقل يملأ الفراغات بما يتوافق مع تلك القوالب. ومع غياب المعرفة الدقيقة، تتحوّل التجربة إلى رمز، والحدث إلى أسطورة صغيرة قابلة للانتشار، خصوصاً في البيئات التي تعلي من قيمة الحكاية الشفوية.
نحو فهم أوسع للمعرفة
يدعو هذا المشهد إلى إعادة النظر في مفهوم المعرفة ذاته، بوصفه منظومة متعددة المستويات، لا تختزل الإنسان في كائن عقلاني صرف. ويعزّز هذا الفهم أهمية الاعتراف بحدود العلم، لا للانتقاص من قيمته، بل لتكامل الأدوار بين التفسير العلمي والتحليل الإنساني. فالفهم الحقيقي لا يقوم على الإلغاء، بل على التوسّع والاحتواء.
خاتمة
يظل العلم أداة لا غنى عنها لفهم العالم، غير أنّ التجربة الإنسانية أوسع من أن تُحاصر في إطار واحد. وعندما يدرك الإنسان أنّ بعض الظواهر تحتاج إلى أكثر من تفسير واحد، يصبح أكثر قدرة على التمييز بين المعرفة، والاعتقاد، والحكاية. وفي هذا الوعي تكمن الخطوة الأولى نحو فهم أعمق للذات والعالم معاً.