حين يصبح البرد سلاحا للحرب.. هكذا يدق الجسم ناقوس الخطر
في الشتاء الرابع للحرب لا تزال درجات الحرارة شديدة البرودة في أوكرانيا. لكن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يهاجم بشكل متعمد البنية التحتية للطاقة في البلاد. الملايين من الناس في أوكرانيا يعانون من انقطاع الكهرباء والتدفئة بشكل متكرر. البرد يؤثر بشكل كبير على أجسامنا. وهي حقيقة تستغلها السجون في بيلاروسيا كوسيلة للتعذيب.
يحتاج جسمنا إلى درجة حرارة ثابتة تبلغ حوالي 37 درجة مئوية. لا بأس إذا أصبحت اليدان أو الأذنان أبرد قليلا لفترة قصيرة. لكن إذا انخفضت درجة حرارة الجسم بمقدار درجتين فإن جسمنا يطلق إنذارا.
فيديو ذات صلة
This browser does not support the video element.
يشرح تيم هايتلاند أنه عند 35 درجة نقول إن الجسم يعاني من انخفاض درجة الحرارة وهو ما يُعرف طبيا باسم انخفاض حرارة الجسم. وهو المنسق الطبي في معهد ألفريد فيغنر لأبحاث القطبين والبحار ويهتم بتدريب فرق الشتاء التابعة للمعهد في القطب الشمالي.
أول رد فعل للجسم على البرد هو الدفاع
"في حالة انخفاض درجة حرارة الجسم يتم التمييز بين أربع مراحل: مرحلة الدفاع ومرحلة الإرهاق ومرحلة الشلل ثم مرحلة الحياة الدنيا أي الموت الظاهري ثم الموت الحقيقي".
في مرحلة الدفاع يحاول جسمنا بكل ما لديه توليد طاقة حرارية. نبدأ في الارتعاش من أجل استعادة الدفء من خلال عمل العضلات. نتنفس بشكل أسرع. وهذا قد يؤدي إلى ارتفاع ضغط الدم ومعدل ضربات القلب. وقد يشكل ذلك مشكلة للأشخاص الذين يعانون من أمراض القلب.
بالإضافة إلى ذلك يبدأ برنامج الحماية للأعضاء الحيوية. "يحاول الجسم الحفاظ على درجة حرارة الأعضاء الداخلية وخاصة الدماغ. ويقوم بذلك عن طريق إيقاف تدفق الدم من الأطراف مثل الذراعين والساقين عن طريق تضييق الأوعية الدموية"، كما يوضح هايتلاند.
والنتيجة: يتدفق دم أقل إلى الأطراف وتصبح الأنسجة هناك أكثر برودة، مما يؤدي إلى خطر الإصابة بتقرحات محلية. وينخفض ضغط الدم في النهاية وقد نشعر بالدوار أو الغثيان.
كل هذا أمر مرهق ويستهلك القوة والطاقة. عندما تنخفض درجة حرارة الجسم إلى 32 إلى 30 درجة تنفد احتياطيات الطاقة ويتوقف الارتعاش وهنا تبدأ مرحلة الإرهاق. "ثم تبدأ في الشعور باللامبالاة أو الارتباك. ينخفض ضغط الدم ومعدل ضربات القلب وتصبح العضلات بطيئة في الحركة".
البرودة الشديدة تتسبب في توقف القلب
في المرحلة الثالثة من انخفاض درجة حرارة الجسم أي عند درجة حرارة جسم تتراوح بين 30 و28 درجة تبدأ مرحلة الشلل. لا نستطيع الحركة ويصبح معدل ضربات القلب والتنفس أبطأ وأضعف. "يمكن أن تفقد الوعي ويمكن أن يحدث اضطراب في ضربات القلب بسبب برودة الدم".
عندما تصل درجة حرارة الجسم إلى 28 درجة أو أقل يبدأ ما يسمى بالموت الظاهري ونقع في غيبوبة. "عندما تقل درجة الحرارة عن 28 درجة يفقد الشخص وعيه تماما. قد تتسع حدقتا العين وتصبحان ثابتتين وقد يتوقف التنفس والقلب. أي أن الموت الظاهري يحدث أولا ثم الموت الفعلي".
العودة من الموت بسبب البرد: قضية آنا آنا باغنهولم
أثار إحياء الطبيبة السويدية آنا باغنهول في عام 1999 ضجة كبيرة. بعد تعرضها لحادث تزلج بقيت باغنهول ممددة في جدول جبلي متجمد لمدة 80 دقيقة وكانت في حالة موت سريري لمدة ثلاث ساعات قبل أن يتم إحياؤها دون أن تصاب بأضرار دائمة. وصلت درجة حرارة جسم باغنهول في بعض الأوقات إلى 13.7 درجة فقط.
ويعود عدم إصابتها بأضرار دماغية إلى أن رأسها كان مغمورا بالمياه الباردة. وبالتالي برد دماغها بسرعة بينما كان الدوران الدموي لا يزال يعمل. يشرح الطبيب هايتلاند: "في درجات الحرارة شديدة البرودة تسير عمليات التمثيل الغذائي بشكل أبطأ بكثير وبالتالي تتعامل الخلايا مع كمية أقل بكثير من الأكسجين طالما لا يزال الدم يدور".
علاوة على ذلك لم يتم تدفئة جسم باغنهولم أثناء رحلة الإنقاذ، بل استمر تبريده. في المستشفى تم توصيلها بأجهزة انعاش القلب والتنفس وتم سحب دمها وتدفئته خارج الجسم وتزويده بالأكسجين ثم إعادته إليها. بعد أقل من أربع ساعات من الحادث عاد قلب باغنهولم إلى النبض من تلقاء نفسه.
ملابس ضد البرد: مبدأ البصل
من أجل الحفاظ على درجة حرارة الجسم في المعدل الطبيعي حتى في الطقس البارد من الضروري ارتداء ملابس مناسبة، كما يقول فرانك فيرنر، المسؤول عن مجال الوقاية في جمعية التأمين المهني للبناء. في قطاع البناء يتم العمل في الخارج حتى في درجات الحرارة المنخفضة.
وقد أثبت "مبدأ البصل" فعاليته في هذا المجال، حسبما يقول فيرنر. "تخلق الطبقات المتعددة فقاعات هوائية بين الطبقات الفردية". فالهواء موصّل سيئ للحرارة لذا فهو يحافظ على حرارة أجسامنا قريبة من الجسم. ولهذا السبب فإن الصوف يبقينا دافئين في الشتاء: تحتوي ألياف الصوف على العديد من الجيوب الهوائية الصغيرة.
بالمناسبة: عندما نشعر بالقشعريرة يحاول جسمنا أيضا تكوين طبقة عازلة من الهواء حول الجلد عن طريق انتصاب شعر الجسم.
وحسب فيرنر يمكن أيضا تكييف الحماية من البرد بسرعة وسهولة باستخدام مبدأ البصل. "عندما أمارس نشاطا بدنيا أكثر يمكنني خلع طبقة أو سترتي بسرعة ثم ارتداء سترة واقية من الطقس فوقها".
لأننا عندما نتعرق في درجات الحرارة الباردة يبردنا البرد الناتج عن التبخر. لذلك يجب أن تكون طبقة الملابس التي نرتديها مباشرة على الجسم قادرة على التخلص من الرطوبة بشكل جيد.
لماذا تبردنا الملابس الزائدة
من الأفضل ارتداء زوجين من الجوارب المصنوعة من مادة مناسبة بدلا من ارتداء أربعة أزواج في الحذاء. لأن الملابس الضيقة على الجسم تفتقر إلى طبقات الهواء العازلة.
العزل من الأسفل مهم أيضا يقول فيرنر: "الأحذية الشتوية المناسبة لها نعل ذو طبقات، مما يمنع ملامسة باطن القدم للأرض مباشرة". كما أثبتت طبقة من الورق داخل الحذاء فعاليتها. فالورق يعزل ويمتص الرطوبة. والكرتون المضلع مناسب بشكل خاص لهذا الغرض بسبب فقاعاته الهوائية.
ويؤكد تيم هايتلاند على أهمية الحماية من الرياح. وإلا فإن أي محاولة للحفاظ على دفء أجسامنا ستذهب أدراج الرياح. تساعد الملابس الخارجية المقاومة للرياح في ذلك. ولكن إذا أمكن يجب الابتعاد عن الرياح أو بناء حاجز واقٍ "حتى لو كان مجرد صندوق من الورق المقوى يكسر الرياح". في رحلاتهم الاستكشافية إلى القطب الشمالي تقوم فرق معهد ألفريد فيغنر لأبحاث القطبين والبحار ببناء جدران من الثلج أمام خيامهم على سبيل المثال.
بدون طعام لا يوجد دفء
ليس من المستغرب أن نشعر بالجوع لتناول الأطعمة الدهنية في فصل الشتاء. يوضح هايتلاند أن اتباع نظام غذائي غني بالدهون والسعرات الحرارية يساعد الجسم على مقاومة البرد. "لأن الجسم يريد توليد الحرارة فإن معدل الأيض الأساسي يرتفع، وبالتالي يحتاج إلى مزيد من الطاقة".
وعند ظهور العلامات الأولى لانخفاض حرارة الجسم بشكل حقيقي فإن المشروبات الدافئة المحلاة هي الأفضل. "توفر الكربوهيدرات طاقة سريعة ودفعة ملحوظة". ومن ثم يجب التحرك قدر الإمكان من أجل إعادة تدفئة الجسم بشكل صحيح.
أعده للعربية: م.أ.م