ثقافة الـ"Soft Quitting" في العالم العربي: موضة أم تمرّد؟

  • تاريخ النشر: الأحد، 15 فبراير 2026 زمن القراءة: 4 دقائق قراءة | آخر تحديث: منذ يوم
مقالات ذات صلة
معلومات عن bts بالعربي: أشهر الفرق الكورية حول العالم
أقوال عن ثقافات شعوب العالم
اتكلم عربي: مبادرة مصرية للاحتفال باللغة العربية في يومها العالمي

في السنوات الأخيرة، انتشر مصطلح “Soft Quitting” بقوة على منصات التواصل، خصوصًا عبر TikTok، ليصف حالة لا يترك فيها الموظف عمله رسميًا، لكنه يتوقف عن بذل أي مجهود إضافي خارج حدود مهامه الأساسية. لا ساعات عمل إضافية، لا مبادرات تطوعية، لا ردود على الرسائل بعد الدوام. فقط “أقوم بعملي كما هو مكتوب في العقد”… وانتهى الأمر.

لكن السؤال الأهم:
هل ثقافة الـ“Soft Quitting” في العالم العربي مجرد موضة عابرة قادمة من الغرب؟ أم أنها شكل جديد من التمرّد الصامت داخل بيئات العمل التقليدية؟

فيديو ذات صلة

This browser does not support the video element.

ما هو “Soft Quitting” فعلًا؟

رغم أن المصطلح يوحي بالاستقالة، إلا أن الموظف لا يترك وظيفته فعليًا. هو يضع حدودًا واضحة بين حياته الشخصية والمهنية، ويرفض ثقافة “العمل فوق الطاقة” التي كانت تُعتبر سابقًا دليلًا على الالتزام والطموح.

الفكرة ببساطة:
أنا أؤدي المطلوب مني بكفاءة… لكن لن أعيش لأجل العمل.”

في السياق العربي، هذه الفكرة تصطدم بثقافة مهنية تعتبر التضحية بالوقت الشخصي نوعًا من الإخلاص، بل أحيانًا معيارًا للترقية.

لماذا انتشرت الظاهرة عربيًا؟

1. الإرهاق الوظيفي المتراكم

كثير من الموظفين في المنطقة يعملون لساعات طويلة، أحيانًا دون مقابل إضافي، تحت ضغط الإنجاز السريع والمنافسة. ومع ارتفاع تكاليف المعيشة، يشعر البعض أن الجهد الإضافي لا يقابله تحسن حقيقي في جودة الحياة.

هذا الشعور خلق حالة من الإحباط الصامت:
لماذا أبذل أكثر مما يُطلب مني إذا لم يتغير شيء؟

2. تأثير السوشيال ميديا

منصات مثل LinkedIn لم تعد فقط لعرض الإنجازات، بل أصبحت مساحة لمناقشة الصحة النفسية في العمل، والاحتراق الوظيفي، وأهمية وضع الحدود.

جيل الشباب، خصوصًا جيل Z، أصبح أكثر وعيًا بحقوقه، وأكثر جرأة في رفض ثقافة “العمل حتى الإنهاك”.

3. تغيّر مفهوم الطموح

في السابق، كان الطموح يعني ترقية أسرع، راتبًا أكبر، ومنصبًا أعلى. اليوم، الطموح لدى كثيرين يعني:

  • وقت فراغ أكثر
  • توازن صحي
  • استقرار نفسي

هذا التحول جعل البعض يختار “الحد الأدنى الصحي” بدل “الحد الأقصى المُرهق”.

هل هو تمرّد أم حماية ذاتية؟

هناك من يرى أن “Soft Quitting” شكل من أشكال التمرد غير المعلن على أنظمة عمل تقليدية لا تعترف بالجهد الإضافي إلا بالكلام. هو رسالة صامتة تقول:
لن أُستغل بعد اليوم.”

في المقابل، يرى آخرون أنه تراجع في روح المبادرة، وقد يؤدي إلى بيئة عمل باردة تفتقر للحماس والإبداع.

الحقيقة ربما تقع في المنتصف.
فالحدود الصحية ليست تمردًا، لكن الانسحاب العاطفي الكامل قد يضر بالموظف نفسه على المدى الطويل، لأنه يفقد شعوره بالإنجاز والانتماء.

كيف يختلف في العالم العربي؟

في كثير من الشركات العربية، العلاقة بين المدير والموظف ما زالت تقوم على التسلسل الهرمي الصارم. الموظف الذي يرفض الرد بعد ساعات العمل قد يُتهم بعدم الالتزام. الذي يرفض مهامًا إضافية قد يُعتبر “غير متعاون”.

لذلك، يمارس البعض “Soft Quitting” بصمت شديد، دون إعلان أو نقاش.
لا شعارات، لا منشورات غاضبة، فقط أداء حرفي للعقد.

وهنا يتحول المفهوم من “ترند” إلى سلوك دفاعي.

هل الشركات مسؤولة جزئيًا؟

بالتأكيد.
عندما يشعر الموظف أن مجهوده الإضافي لا يُقدَّر، أو أن الترقيات غير مرتبطة بالكفاءة، أو أن بيئة العمل سامة، فمن الطبيعي أن يبحث عن أقل مستوى من الالتزام يضمن له الاستقرار.

في المقابل، الشركات التي توفر:

  • تقديرًا حقيقيًا
  • شفافية في التقييم
  • توازنًا في عبء العمل

نادراً ما تواجه موجة “Soft Quitting”.

المخاطر المحتملة

إذا تحولت الثقافة إلى انسحاب جماعي غير معلن، قد تظهر نتائج مثل:

  • انخفاض الإبداع
  • ضعف روح الفريق
  • تراجع الإنتاجية على المدى البعيد

كما أن الموظف نفسه قد يفقد فرص التطور إذا اكتفى بأداء الحد الأدنى دائمًا.

موضة أم تحول دائم؟

من الصعب اعتبارها مجرد موضة عابرة، لأن جذورها مرتبطة بتغيّر عميق في وعي الأجيال الجديدة بقيمة الوقت والصحة النفسية. لكن شكلها قد يتطور.

ربما في المستقبل لن نسميه “Soft Quitting”، بل “العمل المتوازن” أو “الالتزام الصحي”.

في النهاية، ثقافة الـ“Soft Quitting” في العالم العربي ليست إعلان استقالة، بل إعلان حدود.
هي ليست كسلًا بقدر ما هي إعادة تفاوض صامتة على شكل العلاقة بين الموظف والعمل.

والسؤال الأهم الذي تطرحه هذه الظاهرة ليس:
لماذا لا يبذل الموظفون جهدًا إضافيًا؟
بل:
لماذا كان يُتوقع منهم أن يفعلوا ذلك دائمًا دون مقابل واضح؟