الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987 (انتفاضة أطفال الحجارة)

  • بواسطة: بابونج تاريخ النشر: الأحد، 24 نوفمبر 2019 | آخر تحديث: الأحد، 06 فبراير 2022
مقالات ذات صلة
صور الطفلة الفلسطينية جوان منذ الشهر الأول حتى أتمت عامها الأول
نهر من حجارة شمال شرق افغانستان
كلمات أشهر أغاني علي الحجار

تعتبر الانتفاضتان الأولى، والثانية من المراحل البارزة في تاريخ فلسطين المحتلة، كما أنَّ الانتفاضة الثالثة ما تزال تترقب ولادتها منذ أعوام، حيث يعتقد الكثير من الفلسطينيين أنَّ الانتفاضة مستمرة منذ اليوم الأول للاحتلال، لكنَّ لها مدّاً، وجزراً، فالمدُّ هو الأولى، والجزر هو ما يفصل بين الأولى والثانية، كما خلقت الانتفاضة مفاهيم جديدة لدى الفلسطينيين، بل لدى العالم كله.

تخاذل الأمة العربية خلق قناعات جديدة لدى المناضل الفلسطيني

لم تأتِ الانتفاضة الفلسطينية الأولى، إلَّا نتيجةً لمجموعةٍ كبيرةٍ من الأحداث، التي دارت في الفترة الواقعة بين نكبة فلسطين عام 1948، حتى اندلاع الانتفاضة عام 1987، حيث أنَّ هناك محركين رئيسيين في وجدان الشارع الفلسطيني، جعلاه يترقب اللحظة المناسبة ليعلنها ثورة، أما الدافع الأول، فيتمثل في الخيبة الكبيرة التي تلت مفاوضات السلام المنفرد، التي عقدها الرئيس المصري أنور السادات، مع رئيس وزراء العدو مناحيم بيغين (رئيس عصابة ارجون الصهيونية سابقاً).

كما كشف وضع الفلسطينيين في مخيمات لبنان، عن مصالح عربية متقاطعة عند نقطة ما مع مصالح أمريكية، وإسرائيلية، فكان الدافع الثاني خروج منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان عام 1982، بعد صمود دام لأشهر تحت حصار خانق، وآلة عسكرية مدمرة، لكن الظروف الجديدة لمنظمة التحرير، أبعدت قياداتها عن الشارع الفلسطيني، بعد أن انقطع الاتصال مع الأرض المحتلة، ولم تعد المقاومة قريبة من خطوط العدو الأولى كما في الماضي؛ لنقل أنَّ كل تلك الأسباب متضافرة، وغيرها من الأحداث الأخرى، شكَّلت قناعة ثابتة لدى الفلسطينيين داخل الأراضي المحتلة، أنّه من الواجب استعادة القضية الفلسطينية ، قبل وأدها؛ فكانت الانتفاضة الأولى، التي حققت هذا الهدف بكل تأكيد، على مستوى تلك المرحلة على الأقل.

الداخل الفلسطيني قبل الانتفاضة الأولى

إضافة إلى الأحداث البارزة التي ذكرناها، ساهمت ممارسات جيش الاحتلال القمعية في الداخل الفلسطيني، باندلاع الانتفاضة الأولى، حيث شهدت الأعوام السابقة لسنة الانتفاضة 1987، تضييقاً شديداً على الفلسطينيين عامة، وخاصة في غزَّة، والضفة الغربية، فبالغ جيش الاحتلال في الاعتقال التعسفي، والمداهمات للبيوت، كما شهد عام الانتفاضة بداية نشاط المقاومة الإسلامية في فلسطين، متمثلة بحركة الجهاد الإسلامي، وحركة حماس، كخيارات جديدة من خيارات المقاومة داخل الأراضي المحتلة، إضافة إلى العملية التي تبنتها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين- القيادة العامة، المعروفة باسم (ليلة الطائرة الشراعية) في الخامس والعشرين من تشرين الثاني/نوفمبر عام 1987، والتي نفذها أربعة فدائيين، بينهم فلسطينيين اثنين، عادا سالمين، ومقاتل سوري، وآخر تونسي استشهدا في العملية، حيث قام الفدائيون باستهداف معسكر غيبور التابع لجيش العدو شمال الأراضي المحتلة، فأوقعوا خسائر كبيرة في صفوف العدو. 

كما كان للعملية أثر معنوي كبير على الشعب في الداخل، من خلال إعادة بعث إيمانهم باستمرار المقاومة، إضافة إلى مشاركة السوري خالد أكر، والتونسي ميلود ناجح، التي أضفت بعداً قومياً للعملية، فضلاً عن سلسلة من عمليات الطعن التي استهدفت العدو في غزَّة، كذلك عملية الاغتيالات المنظمة، التي طالت عدداً من المستوطنين، وضباطاً من جيش الاحتلال.

قتل مستوطن، وعملية انتقامية أدَّت إلى اشتعال الانتفاضة

من بين العمليات التي نفذتها المقاومة في غزَّة، قامت باغتيال مستوطنٍ إسرائيلي أثناء تجوّله في القطاع، بعد أن وصلت معلومات إلى المقاومة تفيد بأنَّه من عناصر الموساد (جهاز استخبارات العدو)؛ فقام شقيقه بعملية انتقامية في الثامن من كانون الأول/ديسمبر عام 1987، عندما قاد شاحنة مقطورة، ودهس سيارة تحمل عمالاً فلسطينيين، عند دوار بيت لاهيا، قرب بلدة جباليا شمال القِطاع، ما أدى لسقوط أربعة شهداء، وجرح آخرين، كما لم يقم أحد من جنود الاحتلال باعتراض السائق، علماً أنَّه كان ضابطَ احتياطٍ في جيش الاحتلال، وتُعرف هذه الحادثة بحادثة جباليا، أو (حادثة المقطورة).

حادثة مخيَّم جباليا

بعد تشييع الشهداء الفلسطينيين الأربعة، وانتشار خبر حادثة المقطورة، قام عشرات الشباب من مخيَّم جباليا القريب من مكان الحادث، بالهجوم على مركز شرطة الاحتلال في المخيَّم، مستخدمين الحجارة في وجه البنادق، حيث واجههم الجنود بالرصاص الحي، لكن أهالي المخيَّم تجمعوا في مظاهرة حاشدة، وتمكنوا من طرد جنود الاحتلال من مركز الشرطة، حيث يعتبر هذا العمل هو الانطلاقة الرسمية لانتفاضة الحجارة، التي استمرت حوالي ستِ سنوات، وكان أول شهدائه، الشهيد الشاب حاتم أبو سيسي، الذي قضى برصاص الاحتلال في قطاع غزَّة، وهو في السابعة عشرَ من عمره.

خرجت الثورة من قبضة الاحتلال منذ الأيام الأولى

بعد سقوط أول شهداء الانتفاضة، بدأت الثورة تنتشر، وتتمدد إلى المدن، والقرى في قطاع غزَّة، كما سجلت الأيام الأولى سقوط عدة شهداء برصاص الاحتلال، في خان يونس، ورفح، وغيرها، حيث حشد جيش الاحتلال قوات عسكرية كبيرة للقضاء على التمرد، لكن الحركة التي بدأت قبل أيام، خرجت من قبضة العدو، وتمددت إلى خارج قطاع غزَّة، فكان أول الثائرين بعد غزَّة، في مخيم بلاطة، في نابلس، وما هي إلَّا أيام، حتى امتدت الثورة إلى معظم المدن الفلسطينية، في القدس، ومدن الضفة الغربية، إضافة إلى أراضي العام 1948، في حيفا، وأم الفحم، والناصرة، وغيرها، فغيَّرت الانتفاضة الأولى كثيراً من المفاهيم، أولها؛ إعادة الاعتراف بوجود الشعب الفلسطيني، حيث سعت اسرائيل طيلة سنوات الاحتلال، على التخلص من أي وجود شرعي للشعب الفلسطيني، من خلال دعم ضم الضفة إلى الأردن، وتوطين الفلسطينيين في المهاجر، ثم الفتك بالمخيمات الفلسطينية في لبنان، لكن أحداث الانتفاضة التي سنتابعها معاً، ثبتت هوية الشعب الفلسطيني، وارتباطه بأرضه، أكثر من كل المؤتمرات، والمناشدات السابقة.

كانت الحجارة و(المقاليع) والمولوتوف الأدوات الأساسية في الانتفاضة

إلى جانب الاحتجاجات، والمظاهرات شبه اليومية، لم يدَّخر الفلسطينيون جهداً في التعبير عن غضبهم، وفي الضغط على الاحتلال، خاصة بعد أنْ تم استحداث لجان محلية تنظم عمل المنتفضين، فأعلن الفلسطينيون عن عدة إضرابات على مدى الانتفاضة، كان الاحتلال يواجهها من خلال إعادة فتح المحلات قسرياً، وتركها مفتوحة، لكن الفلسطينيين صمموا على إغلاق محلاتهم، كما لجأوا إلى إعلان العصيان المدني الكامل عام 1988، وعبَّروا عن ذلك من خلال الإضرابات، وحرق بطاقات التصاريح الإسرائيلي، إضافة إلى الامتناع عن دفع الضرائب، كما أقدم بعض الفلسطينيون على الاستقالة من أعمالهم في القطاعات التي تتبع للإسرائيليين.

على الرغم من أنَّ السلاح الأول للانتفاضة كان الحجر، والمقلاع (لذلك سميت انتفاضة الحجارة، أو انتفاضة أطفال الحجارة)، إضافة إلى المولوتوف (الزجاجات الحارقة)، إلَّا أن المراحل المتقدمة من الانتفاضة، عرفت أشكالاً جديدة من أساليب التصدي لهجمات الاحتلال، كانت معظمها سلمية، تتمثل في قطع الطرقات، وحفر الخنادق حول المخيَّمات، إضافة إلى حوادث الطعن، وبعض العمليات النوعية التي قامت بها فصائل المقاومة الفلسطينية.

نفذ جيش الاحتلال تعليمات قيادته بتكسير عظام المنتفضين

مع بداية الانتفاضة، أعلن اسحق شامير، رئيس حكومة العدو آن ذاك، أنَّ القوات الإسرائيلية لن تسمح لهذا الحراك أنْ يمتد مهما كلف الأمر، "حتى إنْ اضطررنا لتكسير عظامهم... سنفعل ذلك"، وكلمة تكسير العظام هنا، لم تكن تحمل أيَّ معنى مجازيّ، حيث نفذ جيش الاحتلال تعليمات رئيس الحكومة بحرفيَّتها، وانتشرت المقاطع المصورة لجنود الاحتلال، وهم يقومون بعمليات التعذيب في الشوارع، والأزقة، والحقول، كما كانت تكسير العظم باستخدام الصخور، أو أعقاب البنادق، أمراً مفجعاً، حيث سجلت الانتفاضة، إصابات كثيرة ناتجةً عن تكسير العظام المتعمد، باستخدام طرق عدة، ولم ينجو الأطفال الصغار من هذه السياسات الإجرامية.

علماً أنَّ الاحتلال اتبع عدة آليات لقمع الانتفاضة على مدى سنواتها الست، أبرزها؛ هدم بيوت الناشطين، والاعتقال التعسفي لآلاف الشباب الفلسطيني، إضافة إلى حرق الحقول، واقتلاع أشجار الزيتون، رمز فلسطين، فضلاَ عن إغلاق المناطق، ومحاولة فصل المدن، والقرى عن بعضها، كذلك سياسة الإبعاد، فكان أبزر قرارات الإبعاد، قرار إبعاد قيادات كتائب الشهيد عز الدين القسَّام عام 1992، بعد أن قام القسَّاميون بأسر ضابطٍ إسرائيلي، وطلبوا الإفراج عن الشيخ أحمد ياسين مؤسس حركة حماس، لكن الاحتلال لم يقبل بالشروط، فقام الخاطفون بإعدام الرهينة، ما نتج عنه اتخاذ قرار بإبعاد 416 قيادياً، من الجهاد الإسلامي، وكتائب القسَّام، ونفيهم إلى جنوب لبنان، لكن المبعدين اعتصموا عند الحدود، حتى وافق الاحتلال على عودتهم، بعد ضغوطٍ الدولية.

كان لاغتيال أبو جهاد أثر في نفوس لثائرين

قامت حركة فتح عام 1988، باختطاف عاملين اثنين، وخبيرين اسرائيليين، يعملون في مفاعل ديمونة النووي، فطالبت المجموعة الخاطفة بإطلاق سراح 9000 معتقل فلسطيني في سجون الاحتلال، لكن أفراد المجموعة استشهدوا بعد اشتباكات مع العدو، كما ماتت الرهائن نتيجة الاشتباك، فقرر الموساد تنفيذ عملية انتقامية، عندما أقدمت وحدة منه، على التسلل إلى منزل القيادي البارز في فتح خليل الوزير (أبو جهاد) والذي يعتبر مهندس الانتفاضة الأولى ومخططها، فجر السادس عشر من نيسان/أبريل من العام نفسه، فقاموا بإطلاق أكثر من سبعين رصاصة عليه أمام عائلته، ليتم دفنه لاحقاً في مخيَّم اليرموك في دمشق.

فكان لاغتيال الوزير أثر كبير في نفوس الفلسطينيين، حيث كان يعتبر المهندس العسكري لأهم عمليات منظمة التحرير الفلسطينية، وحركة فتح، كما كان إلى جانب الشهيد أبو إياد (صلاح خلف)، من أبرز رموز حصار بيروت عام 1982، ومن أقرب القياديين إلى الرئيس ياسر عرفات (أبو عمار).

فك الارتباط مع شرق الأردن وإعلان الاستقلال

بعد نكبة عام 1948، تم ضم الضفة الغربية إلى المملكة الأردنية الهاشمية، وفق ما عرف بمؤتمر أريحا عام 1949، في عهد العاهل الأردني الملك عبد الله الأول، فأصبح فلسطينيو الضفة، تابعين بشكل مباشر كمواطنين في المملكة الأردنية، كما خضعت كامل أراضي الضفة الغربية لرعاية المملكة، لكن الدول العربية لم تعترف بهذا الضم، حيث اعتبرته إهداراً لحقوق الشعب الفلسطيني في أرضه، وطمساً لهويته، إلى أن جاءت نكسة العام 1967، فخرجت الضفة من سيطرة الأردن، إلى سيطرة جيش الاحتلال الإسرائيلي، وبقيت كذلك حتى اندلاع الانتفاضة الأولى.

حيث أعلن رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات (أبو عمار)، عن استقلال الضفة الغربية عن (إسرائيل)، بعد أنْ أعلن الملك حسين (بالاتفاق معه) فك الارتباط بين ضفتي نهر الأردن (الغربية والشرقية)، فكان إعلان الاستقلال الذي كتبه الشاعر الفلسطيني محمود درويش، وتلاه أبو عمار من العاصمة الجزائرية، يوم الخامس عشر من تشرين الثاني/نوفمبر عام 1988، الذي يعتبر يوم الاستقلال الفلسطيني.

ومما جاء في نص وثيقة الاستقلال

"وفي هذا اليوم الخالد، في الخامس عشر من تشرين الثاني 1988، ونحن نقف على عتبة عهد جديد، ننحني إجلالاً وخشوعاً أمام أرواح شهدائنا، وشهداء الأمة العربية، الذين أضاؤوا بدمائهم الطاهرة شعلة هذا الفجر العتيد، واستشهدوا من أجل أن يحيا الوطن، ونرفع قلوبنا على أيدينا لنملأها بالنور القادم من وهج الانتفاضة المباركة، ومن ملحمة الصامدين في المخيمات، وفي الشتات، وفي المهاجر، ومن حملة لواء الحرية؛ أطفالنا، وشيوخنا، وشبابنا، أسرانا، ومعتقلينا، وجرحانا المرابطين على التراب المقدَّس، وفي كل مخيَّم، وفي كل قرية، ومدينة، والمرأة الفلسطينية الشجاعة، حارسة بقائنا، وحياتنا، وحارسة نارنا الدائمة، ونعاهد أرواح شهدائنا الأبرار، وجماهير شعبنا العربي الفلسطيني، وأمتنا العربية، وكل الأحرار والشرفاء في العالم، على مواصلة النضال من أجل جلاء الاحتلال، وترسيخ السيادة، والاستقلال، إننا ندعو شعبنا العظيم إلى الالتفاف حول علمه الفلسطيني، والاعتزاز به، والدفاع عنه، ليظل أبداً رمزاً لحريتنا، وكرامتنا، في وطن سيبقي دائما وطناً حراً لشعب من الأحرار".

محاولة تشويه معالم المسجد الأقصى

في العاشر من تشرين الأول/أكتوبر عام 1990، حدثت اشتباكات عنيفة بين الفلسطينيين، ومتطرفين إسرائيليين، يطلقون على أنفسهم حركة أمناء جبل الهيكل (Temple Mount and Eretz Yisrael Faithful Movement)، الذين قاموا باقتحام ساحة المسجد الأقصى في صباح ذاك اليوم، وأرادوا وضع حجر الأساس لما يسمونه (الهيكل الثالث)، لكن الفلسطينيين منعوهم من ذلك، حتى تدخَّل جيش الاحتلال، الذي قام بقتل عشرين فلسطينياً، إضافة إلى أكثر من مائة وخمسين مصاباً، وعشرات المعتقلين، حيث كان لهذه الحادثة وقعها المزلزل في نفوس الفلسطينيين، والعالم أجمع.

نتائج وتبعات الانتفاضة الفلسطينية الأولى (انتفاضة الحجارة)

بعد نضال دام ست سنوات، راح ضحيته مئات الشهداء، وعشرات آلاف الجرحى والمعتقلين، توصلت منظمة التحرير الفلسطينية إلى اتفاق أوسلو الشهير، في الثالث عشر من أيلول/سبتمبر عام 1993، بعد مفاوضات دامت سنتين بين الطرفين، حيث بدأت المفاوضات بعد انعقاد مؤتمر مدريد للسلام عام 1991، كما أجريت في العاصمة النرويجية أوسلو، برعاية أمريكية، في عهد الرئيس الأمريكي بيل كلينتون، لتنتهي بتوقيع ما سمي (اتفاق المبادئ)، أو اتفاقية أوسلو، التي تنص على انسحاب القوات الاسرائيلية التدريجي من الضفة الغربية، وقطاع غزَّة، ما اعتبرته منظمة التحرير اعترافاً بوجود الشعب الفلسطيني، وبجزء من حقوقه، لكن بعض الفلسطينيين، ينظرون إلى الاتفاق أنَّه كان تصفية للثورة الفلسطينية، إلا أنَّ الأهم من هذا وذاك، أنَّ الانتفاضة خلقت روح جديدة بين الفلسطينيين، داخل الأرض المحتلة، وخارجها، خاصة بعد كلِّ الهزائم، والانكسارات التي منيت بها قضيتهم، كما ساهمت الانتفاضة بتعريف العالم أكثر بقضية فلسطين، حتى دخل مصطلح (الانتفاضة) في معظم قواميس اللغات في العالم للتعبير عن هذا الحدث (Intifada).

كتبت هآرتس في ذكرى الانتفاضة

بعد سلسلة كبيرة من الانتصارات الكبيرة التي حققها جيش العدو الإسرائيلي، بمواجهة الجيوش العربية، مجتمعةً، ومنفردة، أصبح لدى الإسرائيليين قناعة مطلقة بتفوقهم، انكسرت أول مرة في حرب تشرين الأول/أكتوبر عام 1973، لكنهم سرعان ما استعادوا صولتهم، وجولتهم، من خلال الاجتياح الأول للبنان عام 1978، وتوقيع السلام المصري-الإسرائيلي في العام نفسه، ثم الاجتياح الثاني للبنان عام 1982، الذي نتج عنه تشتيت لأكبر تجمعات المقاومة الفلسطينية المسلحة، لكن بمكن القول، أنَّ تجربة الانتفاضة بالنسبة للسياسيين الإسرائيليين، أو المستوطنين في الأرض المحتلة، كانت أقسى التجارب التي عاشوها حتى ذلك الوقت.

فقد وجدوا أنفسهم أمام ما كانوا يخشونه (انتقال المقاومة إلى الداخل)، حتى أنَّ عرب 48، الذين لم يتوقع منهم الإسرائيليون التدخل في التمرد، قدموا مساعدات كبيرة لأخوتهم، من خلال الاحتجاج والتظاهر، والدعم المالي، والمعنوي، فدعموا شعبهم بالأدب والشعر، كذلك بالمساعدات المادية، حتى طباعة المناشير في مطبعة الناصر، كل هذه الأمور، وضعت الإسرائيليين أمام حقيقة لا مفر منها، أنَّ الشعب الفلسطيني لن يتخلى عن حقوقه ببساطة، وأنَّ هذه الانتفاضة لن تكون الأخيرة، وفق الكثير من التحليلات الإسرائيلية آن ذاك، وهذا ما كان مع اندلاع الانتفاضة الثانية عام 2000، ثم بشائر الانتفاضة الثالثة بدء من أعمال الطعن عام 2015، وحتى تاريخه؛ فمن هذه الحيثيات، كتبت صحيفة هآرتس (HAARETZ) في الذكرى الخمسة عشرة للانتفاضة:

كانت الانتفاضة مفاجأة كبيرة للمخابرات، حتى وهي مستمرة لم يتمكن رجال الأمن وصناع القرار  فهم أهميتها، على خلاف ما ادعته حكومة اسحق شامير ­ (أنَّ منظمة التحرير  الفلسطينية هي من بدأ بالانتفاضة) كانت فورة عفوية، نتجت عن أسباب اقتصادية، واجتماعية، ووطنية، على حدٍ سواء.

ختاماً... أغلب المحللين يشيرون إلى نتائج الانتفاضة الإيجابية على مسيرة النضال الفلسطيني، حيث تعتبر الانتفاضة أول انتقال فعلي للثورة الفلسطينية إلى الداخل، إلَّا أنَّنا لن نتمكن من غضِّ الطرف عن الرأي القائل بتصفية الانتفاضة بتوقيع اتفاق أوسلو، فلهذا الرأي أيضاً حججه، ومبرراته، لكن ما جرى في النهاية، أنَّ اتفاق أوسلو بقي حبراً على ورق بمعظمه، ما أدى بالتالي (إلى جانب العديد من الأسباب الأخرى) إلى إعادة إحياء الانتفاضة عام 2000.